محمد أبو زهرة
661
زهرة التفاسير
النفوس فجورها وتقواها ، وهداها الله النجدين ؛ وأن الله العليم الحكيم بعث الرسل مبشرين بحسن العقبى لأهل الخير وسوء العقبى للأشرار ؛ ليكون من ضل إنما يضل عن بيّنة ، ومن اهتدى فعن بينة ؛ ولتتحقق التبعة على الأفعال بالعقاب والثواب ؛ وليكون الجزاء العادل على العمل إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ؛ وليخفف بعث النبيين الخلاف وإن كان لا يمحوه ؛ فإن المماراة واللدد في الخصومة التي اختص بها أهل الشر يمنعانهم من أن يسلموا بالحق رغبا ، وإن كانوا أحيانا يسلمون به رهبا ، وبعضهم يطمس الله على بصيرته فلا يجديه ترغيب ، ولا يؤثر فيه ترهيب ؛ بل هو ضال مضل إلى يوم الدين . ولهذا قال سبحانه وتعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ الأمة مأخوذة من أمّ بمعنى قصد ؛ والجماعة من الناس التي تربطها رابطة ، وتجمعها جامعة تسمى أمة ؛ لأن كل واحد منها يؤم المجموع ويقصده ، ويعتمد عليه في مدلهم الأمور . ولقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في معنى الأمة ما نصه : « والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ؛ إما دين واحد ، أو زمان واحد ، أو مكان واحد ، سواء أكان الأمر الجامع تسخيرا أو اختيار ، وجمعها أمم ، وقوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ . . . ( 38 ) [ الأنعام ] أي كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع ، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت ، وبانية كالسرفة « 1 » ، ومدخرة كالنمل ، ومعتمدة على قوت وقتها كالعصفور والحمام ، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع ؛ وقوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً أي صنفا واحدا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر ، وقوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً . . . ( 118 ) [ هود ] أي في الإيمان ؛ وقوله : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ . . . ( 104 ) [ آل عمران ] أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم ؛ وقوله : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ . . . ( 23 ) [ الزخرف ] أي على دين مجتمع . . . إلخ » .
--> ( 1 ) السّرفة بضم السين وسكون الراء : دويبة تتخذ بيتا من دقاق العيدان فتدخله وتموت ، ومنه المثل : أصنع من سرفة - قاموس .