محمد أبو زهرة

659

زهرة التفاسير

محروم الدنيا هو المنعم في الآخرة ، والجزاء على الأعمال لا على الأموال ، وعلى القلوب لا على الأحساب ، وعلى التقوى لا على الأنساب ؛ ولذلك قال سبحانه : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فالله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين ، يعطى من يشاء ويمنع من يشاء ، ولا أحد يحاسبه ، وليس عطاؤه دليل رضاه ، فقد يعطى الكافر ، وهو غير راض عنه كما قال تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) [ الزخرف ] والرزق في الدنيا منوط بأسباب دنيوية يجيدها الكافر كما قد يجيدها المؤمن ، ومن سلك سبيلها وطلبها من مظانها رزقه الله ، مؤمنا كان أو كافرا ، ومن تنكب الطريق ، لم يرزقه الله ، وله فوق الأسباب تصريف الحكيم وتدبير العليم سبحانه ، إنه على ما يشاء قدير . والخطأ أن يجعل تقدير الناس بأموالهم لا بأعمالهم ، وبمظاهرهم لا بنفعهم ، روى أن رسول الله كان بين أصحابه فمر بهم رجل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لرجل جالس عنده : « ما رأيك في هذا » ؟ فقال : رجل من أشراف الناس ، هذا والله حرى إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، وإن تكلم أن يسمع فسكت رسول الله ؛ ثم مر رجل آخر فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ما رأيك في هذا » ؟ فقال : يا رسول الله إن هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا حرى إن خطب ألا ينكح ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال لا يسمع لقوله ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » « 1 » . وإن المال هو الذي يضل العباد فيجعلهم يخطئون في تقدير الناس ، وتقطع به الأواصر ، ولو قدره الناس حق قدره ، ولم يتجاوزوا به الحد ما كانت تلك الآفات ، ولو كان الناس يقدرون بفضائلهم لا بأموالهم وتساووا في الحقوق أمام القانون ما كان ذلك الألم الذي يمض الفقير ، وحسب الغنى أن المال عبء عليه ، وأنه ظل زائل ، وعرض حائل ؛ ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك

--> ( 1 ) رواه البخاري : النكاح - الأكفاء في الدين ( 4701 ) عن ابن سعد رضى اللّه عنه .