محمد أبو زهرة
657
زهرة التفاسير
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وإذا كان المشركون قد كفروا مع البينات وطلبوا ملائكة ينزلون من السماء ، أو كتابا في قرطاس يقرءونه ، فليس ذلك لنقص في الدليل ؛ أو لأنه عقلي ويريدون حسيا ؛ بل الكفر غشاوة تكون على قلب الكافر تجعله ينكر الحق ، ولو كان مع الحق ألف دليل ؛ وهذا أمر بني إسرائيل : نزلت عليهم عدة آيات ، ومع ذلك قالوا أرنا الله جهرة ؛ ولذا قال سبحانه : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ سل الحاضرين منهم أو استقر أخبار السابقين وسل تاريخهم : كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ من معجزة واضحة مثبتة إثباتا لا مجال للشك فيه ، ولا إثارة الريب حوله ؛ فيد موسى تنقلب بيضاء من غير سوء ، وعصاه تنقلب حية تسعى ، ويضرب بها البحر فتفلقه اثنى عشر طريقا ، وتضرب الحجر فينبجس منه اثنتا عشرة عينا ، وتظلهم الغمام في الحر ، وينزل عليهم المن والسلوى ؛ ومع كل هذه الآيات البينات قالوا : أرنا الله جهرة ، ومنهم من كفر وعبد العجل ؛ فقوة الدليل لا تحمل الجاحد على الإيمان ، ومن كفر لا يكفر عن نقص في الدليل ، ولكن عن فساد في الفكر ، بسبب غشاوة على القلب وضلال في النفس ؛ وقوة الدليل مع هذه الحال لا تزيده إلا عنادا وإصرارا . وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ نعمة الله هنا عامة تشمل نعمه الظاهرة والباطنة ؛ فتشمل نعمة الصحة ، ونعمة المال ، ونعمة الجاه ، كما تشمل نعمة العقل ، ونعمة الهداية بإرسال الرسل وإقامة الأدلة على رسالتهم ؛ ومن يبدل هذه النعم السابغة فيجعلها حجة عليه تؤدى إلى العقاب ، فلا يبذل جهده في مرضاة الله ، بل في معصيته ، ولا يبذل ماله في النفع بل في الضرر ، ولا يبذل جاهه لإعانة الضعيف ، بل لحيف الشريف ؛ ولا يعمل عقله ليصل إلى الحق ، بل ليضل نفسه ؛ ولا يقبل الهداية بل يردها ؛ ومن يبدل نعمة الله ذلك التبديل ، فإنه سبحانه وتعالى سيعاقبه لا محالة ؛ ولذلك قال فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ والكلام فيه حذف ، إذ حذف السبب ، اكتفاء بذكر المسبب ، كما تذكر المقدمة ولا تذكر النتيجة لأنها مفهومة ضمنا ؛ والمعنى : من يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقابا شديدا ، لأنه سبحانه شديد العقاب ، كما أنه عفو غفور ، تواب رحيم .