محمد أبو زهرة
78
زهرة التفاسير
ولا يبرّون ، ولقد أخذ سبحانه وتعالى يذكرهم بنعمه عليهم ، وذكرهم بحالهم من فرعون إذ نجاهم منه ، وكان يسومهم سوء العذاب ، يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم ، وذكرهم إذ فرق بهم البحر ، وآياته الكبرى فيهم ، وذكرهم إذ قابلوا هذه النعم بالشرك إذ اتخذوا العجل ، وذكّرهم بعفوه سبحانه وتعالى عنهم ، وذكرهم بأنه طالبهم بعد هذا العفو أن يقتلوا دواعي الشهوات في أنفسهم ، لتكون قوة في هذا الوجود ، فلا وجود لجماعة غلبت عليها شهوتها ، وذكرهم بنعمته عليهم في أن أتى لهم بالمن والسلوى ليأكلوا منها رغدا ، وذكّرهم بأنه أمرهم بدخول قرية لهم متطامنين متواضعين ، فإن مع التواضع مغفرة الله ، ولكنهم بدلوا بالطاعة الظلم ، فعاقبهم الله تعالى في الدنيا . وذكر لهم آياته سبحانه في أن أمدهم بالماء في وسط الجدب ، بأن ضرب لهم موسى الحجر بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وبين أن شهواتهم ، قد تحكمت فيهم فطلبوا ما كانوا يأكلون في مصر من الفوم والعدس والبصل بدلا من المن والسلوى ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وأنهم إذ تحكمت فيهم شهوتهم ضربت عليهم الذلة ، فكانوا أذلة ؛ لأنه حيثما كانت الشهوة المستحكمة كانت الذلة ، ثم بين سبحانه أنه أخذ عليهم الميثاق وأكده برفع الجبل عليهم ، فأعطوه - أي الميثاق - ، ولكنهم نقضوه وجاء من بعد ذلك أمر موسى - عليه السلام - لبنى إسرائيل أن يذبحوا بقرة ، وقد كانت مقدسة في مصر فسرت عدوى ذلك إليهم ، فتلكئوا في الأمر فسألوا عنها : أكبيرة أم صغيرة ؟ ، وما لونها ؟ ، ثم سألوه : أهي عاملة أم غير عاملة ؟ فقال : إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلّمة لا شية فيها ، فذبحوها وما كادوا يفعلون ، ثم ذكر في ال سورة قصة القتيل الذي ادّعى كل فريق أنه لم يقتله ، فأمرهم أن يضربوه ببعضها ، فظهر القاتل ، وأمر الله تعالى بالقصاص منه . والله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر هذه الأحوال لهم بين أنه ( لا يطمع في إيمانهم ) ، وقد استولى النفاق عليهم ، فإذا لقوا المؤمنين قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم