محمد أبو زهرة
79
زهرة التفاسير
إلى بعض قالوا جاهلين : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربكم ؟ ! كأن الله تعالى لا يعلم ، ولقد ركبهم الغرور في أنفسهم ، فقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ، فبين الله أن الخطايا تركبهم ، وسيؤخذون بها ، ولقد أخذ الله تعالى عليهم الميثاق بألا يعبدوا إلا الله ويقيموا الصلاة ، وأخذ عليهم الميثاق بألا يسفكوا دماءهم وألا يقتل بعضهم بعضا ، ومع ذلك أخوجوا بعضهم من ديارهم ، ولا يفكون أسراكم إلا بفدية ، ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، ويحكم عليهم سبحانه ، بالحكم الخالد لكل من اتبع الشهوات بأنه اشترى الحياة الدنيا بالآخرة ، وبعد ذلك ذكر الله تعالى سلسلة الرسالة الإلهية التي ابتدئت بموسى ، ثم عيسى ، وأنهم كفروا بالأنبياء ، فكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كفروا به أو قتلوه ، ولما جاءهم القرآن مصدقا لما بين يديه كذبوه ، وهم عندهم العلم به . ويعيب الله تعالى عليهم قتلهم الأنبياء ، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بغير الحق . ولقد ذكر سبحانه وتعالى أنه قد جاءهم موسى بالبينات وأنقذهم من فرعون ، ومع ذلك بفقدهم التفكير المستقل المدرك عبدوا العجل ، كما كان يعبده فرعون وملؤه ، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى أخذ الميثاق ، لبيان أنهم لا يرعون ذمة ، ولا يقومون بخير ، ولقد كانوا يحسبون أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس فتحداهم الله تعالى بأن يتمنوا الموت ولن يتمنوه ؛ لأن عبد الشهوة يتعلق بالدنيا وما فيها ، يعبد الشهوة العاجلة ، ولا يرجو الآجلة ، وذكر سبحانه عداوتهم لجبريل مما يدل على صغر تفكيرهم . ويبين أنهم كلما جاءهم رسول كذبوه ، وكلما عاهدوا عهدا نقضوه ، ونبذوه وأنهم بدل أن يتبعوه اتبعوا السحر والأهواء ، واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ، واتبعوا السحرة ، وعلموا الناس السحر ، وتعلموا منه ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، ولقد بين سبحانه جملة حالهم ، وما يبغون فقال تعالى : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ