محمد أبو زهرة

71

زهرة التفاسير

وصف الضالين ؛ لأنهم عند تخلّيهم عن مبادئ المسيح أضلهم بولس وأشباهه ، فضلوا ، ثم أضلوا غيرهم من بعدهم ، وكفروا بما جاء به المسيح ، وضلوا ضلالا بعيدا ، وكفروا ، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم ، كما توهموا وأوهموا فيما سموه رؤية العذراء ، وكذبوا وافتروا ، وحاولوا الإضلال كثيرا . ومع انطباق الضلال والتضليل عليهم أولى بهم ثم أولى أن يكونوا ممن غضب الله تعالى عليهم ، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب ؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه ، ويصح أن نقول : إن فيهم الأمرين ، فهم مغضوب عليهم وهم يضلّون ، ويضلّون كثيرا إلى اليوم كما رأيت في أمر العذراء . والضالون كما تدل الآية الكريمة هم الذين في حيرة من أمر اعتقادهم ، لا يهتدون إلى عقيدة يطمئنون إليها ويستقرون عليها ، وليسوا مع هؤلاء ولا هؤلاء . . ولقد قيل إنهم المنافقون الذين ينطبق عليهم ذلك الوصف ، وتلك الحال المضطربة . ولقد يكون ذلك من ناحية حالهم قريبا في ذاته ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم وصفهم بالاضطراب والحيرة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « مثل المنافق كمثل الشّاة العائرة بين غنمين ، إلى أيّهما تذهب » « 1 » ، فالمنافق ضال حائر ، لا يستقر على قرار ، ولا يطمئن إلى إيمان أو كفر ، والمنافقون كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ . . . ( 143 ) [ النساء ] . وهم أيضا موضع غضب الله تعالى ؛ لأنهم كفار كإخوانهم المغضوب عليهم ، ولكنهم اختصوا بأنهم ليس لهم اعتقاد ، فالمشركون لهم اعتقاد باطل ، وكذلك النصارى واليهود يعتقدون اعتقادا باطلا ليس لهم سلطان ولا حجة في اعتقادهم .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صفات المنافقين ( 2784 ) ، وأحمد : مسند المكثرين من الصحابة ( 5059 ) ، والنسائي : كتاب الإيمان وشرائعه ( 5037 ) .