محمد أبو زهرة

65

زهرة التفاسير

وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) [ الأعراف ] وإطلاق الاستعانة من غير متعلّق بذكر المستعان عليه من الأمور دال على أنه يستعين الله تعالى في كل أمور حياته . والاستعانة هي نوع من استصغار حاله بجوار عظمة الله تعالى ، وافتقاره إليه تعالى ، وأنه محتاج إليه دائما ، ولا يركبه غرور الحياة والضلال في أن يقرّ بنفسه الغرور ، وهو استجابة وفهم لقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) [ فاطر ] . وإن من أعلى أبواب الاستعانة ، الاستعانة بالله تعالى على أداء الواجبات والقيام بفروض الله تعالى ، فهو يستعين بالله تعالى على أداء واجب العبادة ليصل إلى درجة العبودية ، ويكون ربانيا . وتقديم إِيَّاكَ على نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ لتعظيم الله تعالى بذكره أولا ، ولأن التقديم للاهتمام بالمعبود والمستعان ؛ وللدلالة على أنه سبحانه وتعالى هو المختص بالعبادة وحده ، وأنه لا يستعان بغيره ، وفي ذلك كمال التوحيد والخضوع له وحده سبحانه وتعالى ، ولقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ : معناه نعبدك ولا نعبد غيرك . فتقديم إياك كما في قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) [ البقرة ] وقوله سبحانه : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) [ البقرة ] وتكرار إِيَّاكَ في نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ ، لبيان التباين بينهما ، وأن ذلك حق الله ، وأن هذا طلب من العباد ، ولتكرار النص على تخصيص ذلك بالله الواحد الأحد الفرد الصمد . وأول الاستعانة طلب الهداية ؛ ولذلك قال تعالى : أهل [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 6 ] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 )