محمد أبو زهرة

66

زهرة التفاسير

بعد أن ذكر دعاء العباد لربهم باختصاصه بالعبادة ، طلب الاستعانة بالله تعالى في كل شئ مرغوب فيه محمود غير مذموم ، وذكرت الاستعانة متجهة إلى الله تعالى من غير الباء ، إذ هي تتعدى بها ، فيقال استعان به ، وتركت الباء للتوجه إلى الله تعالى من غير توسط ، ولو كان توسطا لفظيّا بحرف الباء ، والتوجه إلى الله وحده بحيث يواجه الذات العلية بإشراف النفس من غير رؤية ولا حسّ إلا أن يكون روحيا . وقد ذكر أعلى مراتب الاستعانة ، وهي التي لا تكون لأمور تتعلق بالرغبات الدنيوية ولو كانت في حلال ، بل أعلاها ما يتعلق بالنفس وهدايتها ، فقال سبحانه على لسان المتقين : اهْدِنَا ومجيء ذلك في كتاب الله تعالى وبقوله الحكيم تعليم وتربية للنفس المؤمنة أن تكون استعانتها بالله تعالى تكون أولا بطلب الهداية من الله ، وقوله تعالى على ألسنة عباده المتقين : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ هو دعاء من العباد لربهم بأمره سبحانه ، وذلك تجلّ من الله العلى الأعلى بالإرشاد والتعليم فقوله تعالى : اهْدِنَا والدعاء ذاته عبادة كما روينا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ليس شئ أكرم على الله تعالى من الدعاء » « 1 » . دعاؤهم بطلب الهداية ، والهداية ذات مراتب يعلو بعضها فوق بعض . . المرتبة الأولى : أن يملأ سبحانه وتعالى نفوسهم وقلوبهم بالحق يميلون نحوه ، ويتجهون إليه ، وأن يكونوا ممن كتبت عليهم التقوى ، وأن تكون هدايتها إلى نجد الخير ، وقد قال ، وقوله الحق : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) [ البلد ] وقال سبحانه : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشمس ] ، وذلك ليكونوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي : كتاب الدعوات - باب : ما جاء في فضل الدعاء ( 3370 ) ، وابن ماجة : كتاب الدعاء - باب : فضل الدعاء ( 3829 ) ، وأحمد : كتاب باقي مسند المكثرين ( 8530 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .