محمد أبو زهرة

64

زهرة التفاسير

إِيَّاكَ نَعْبُدُ « إيّا » ضمير منفصل أصله بمقتضى السياق العادي « نعبدك » فلما قدم الضمير انفصل ، و « الكاف » حرف للدلالة على الخطاب ، كما أن « الهاء » للدلالة على الغيبة في قوله : « إياه » ، و « الياء » دلالة على المتكلم ، و « إيانا » دلالة على المتكلمين ، وهكذا . وقيل إن « الكاف » وأخواتها أجزاء من الضمير ، وهو اختلاف إعرابي لا جدوى فيه في مقامنا هذا . والعبادة أكمل أنواع الخضوع ، والتذلل لله تعالى ، ولا تكون لغير الله تعالى ، فهو وحده المعبود بحق ، فلا يعبد سواه ، وإن دوام العبادة والاستمرار عليها مع القيام بحقها من خشوع وخضوع لله وتذكر مقام الله العلى الأعلى ، وحضور لذاته العلية كأنه يرى الله تعالى ، مع الإحساس بأنه - سبحانه - يراه . إن دوام العبادة على هذا النحو تولّد في نفسه صدق العبودية ، فيحس في كل أحواله بأنه لله ، ويحب الشيء لا يحبه إلا لله ، ويكون ربانيا ، مستجيبا لأمر الله : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ . . . ( 79 ) [ آل عمران ] . والاستعانة طلب العون من الله تعالى ، مستحضرا ما في الذات العلية من صفات الربوبية ، والرحمة ، والسلطان المطلق يوم الجزاء ؛ إذ لا سلطان في يوم الدين لأحد سواه ، وقد جاء إِيَّاكَ نَعْبُدُ قبل وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ؛ لأن العبادة حق الله تعالى ، والتقدم إليه بالخضوع الذي لا خضوع مثله ، والاستعانة حق العبد أو طلبه العون له ، فما هو حق أوثق وأولى بالتقديم ، ولكن يجب أن نلاحظ أن الاستعانة والضراعة إلى الله تعالى ، وإفراده سبحانه بطلب العون منه سبحانه هو عبادة أيضا ، كما هو طلب من الله ؛ لأن الدعاء المخلص لله تعالى هو عبادة في حد ذاته ، حتى روى : « الدّعاء مخّ العبادة » « 1 » ، وكما قال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في سننه : كتاب الدعوات ( 3371 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه .