محمد أبو زهرة

59

زهرة التفاسير

ويسأل سائل : لما ذا جمع هنا ، والأقرب الإفراد ، ونقول ما قاله العلماء : إن المفرد هنا ( وهو عالم ) أعم من الجمع ، ولكن يبقى السؤال لم ذكر الجمع ؟ أجابوا بأن في ذلك إشارة إلى أن كل عاقل ، أو العاقلين بشكل عام فيهم العوالم كلها ، ففيهم دقة التكوين وجمال التصوير وروعة الخلق ، من عقل يدبر ، ولسان وجوارح تتحرك ، فجمع الله تعالى في عالم العقلاء كل العوالم الأخرى في إحكام الصنع وبديع التكوين كما قال تعالى في تقديم العلم بالنفس ، وجلائل الخلق والتكوين : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) [ الذاريات ] ففي الإنسان أكمل صورة للخلق والتكوين . أهل [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 3 ] الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) هذان وصفان من أوصاف الله تعالى ، أو اسمان من أسمائه ذكرا في مقام السببية لاستحقاق الله تعالى الحمد وحده ، وقد ذكرنا هذين الوصفين في الكلام في البسملة ، فلا نعيده ، ولكن نذكر هنا مقامهما من النسق بعد قوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ فنقول إن « الرحمن والرحيم » يدلان على الرحمة التي يصلح بها الكون ويدبر أمره بحكمته وقدرته ، فهو سبحانه يرب العالمين ويصلحهم رحيما بهم ، ويصلح الكون والوجود كله برحمته الشاملة لاسمه الأعلى الرحمن . أهل [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 4 ] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) يوم الدين هو يوم الجزاء ، وقيل يوم الطاعة ، وقيل يوم الشريعة الحاكم على كل عقيدة باطلة ، ومهما يكن من اختلاف هذه الألفاظ في مدلولاتها الخاصة ، فإن النهاية تتجه إلى أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يجازى فيه المحسن بإحسانه ، والمسىء