محمد أبو زهرة

58

زهرة التفاسير

و « الرب » وصف لله تعالى مأخوذ من ربّ الشئ يربّه بمعنى قام بإصلاحه وتقويمه ، وتتبّعه بالإصلاح والتنمية في كل أدواره ، وروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « هل لك عليه من نعمة تربّها » « 1 » أي تصلحها وتنميها ، ثم أطلقت كلمة « رب » على الله سبحانه وتعالى ، وهذا المعنى يتلاقى مع « ربّى » ، فإن التربية هي الإصلاح والتغذية ، والعمل على الإنماء ، ولقد جاء في الصحاح للجوهري : « ربّ فلان ولده يربّه ربّا ، وتربية بمعنى : ربّاه ، والمربوب المربّى » . وعلى ذلك يصح أن تقول إن الرب من ربّه ، بمعنى نماه ، أو من التربية بمعنى الإصلاح والإنماء ، والمعنى في الحالين أن الله رب العالمين بمعنى مغذيهم ومنميهم والقائم عليهم ، والمصلح لهم ، والمدبر لأمورهم ، وهو مربيهم لأنه القائم عليهم والمهذب لهم بما خلق فيهم من عقول مدركة تدرك الخير والشر ، وتختار ما تفعل وتحاسب على ما تقدم من خير فتنال به الثواب ، وما تكسب من شر فينالها العقاب . وكلمة الْعالَمِينَ يريد بها العقلاء من الملائكة والإنس والجن ، فهو رب هؤلاء جمعيا ، هو الذي رباهم وأصلحهم ، ودبر أمورهم ، والعالمون جمع لعالم ، وهو كل موجود غير الله تعالى ، ولكن إذا جاءت « عالمون » بجمع المذكر العاقل ، أريد بها العقلاء ممن خلق الله تعالى ، وقد أيد ذلك القول بقول ابن عباس رضي الله عنهما : « العالمون الجن والإنس » ، ودليله قوله تعالى : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) [ الفرقان ] فلا ينذر إلا الجن والإنس ؛ لا تنذر الجبال ولا الأرضون ، وإنما ينذر العقلاء الذين يتصور الشر منهم ، أو لا يتصور كالملائكة ، وقد قلنا إن لفظ العالمين يعمهم .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم : كتاب البر والصلة باب فضل الحب في الله ( 2567 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 9887 ) .