محمد أبو زهرة
57
زهرة التفاسير
الضلال يبتدئ من حمد غير الله ، والثناء عليه ، ثم ينقاد من بعد ذلك إلى ما يخرجه عن طاعة الله ، فلا حمد إلا اللّه ولا ثناء إلا لله . وإن الحمد إنما هو ابتداء على ما أنعم الله تعالى على الوجود الكوني والإنسانى من غير وجود فيكون الحمد له وحده ، وتقرأ كلمة « الحمد لله » برفع الدال . والمعنى : الحمد الثابت الكامل المستغرق لكل صنوف الحمد هو لله وحده ، ولا يحمد سواه ؛ لأن كل نعم هذا الوجود الكوني والإنسانى لله تعالى ، فكل خير الوجود منه وإليه . وهناك قراءة بفتح الدال على أنه مصدر ، ومنصوب بفعل محذوف ، ويكون المؤدّى للقول : احمد الحمد كلّه لله تعالى ، فلا تحمد سواه ، وإن حمد سواه شرك لما ذكرنا من أن الحمد ذاته عبادة ، وهذه القراءة تفيد تجدد الحمد آنا بعد آن بالتذكير بنعم الله تعالى وآلائه ، والقراءة السابقة تفيد دوام الحمد ، كما تدل على ذلك الجملة الاسمية ؛ لأنها تفيد الاستمرار . وإني أرى أن القراءات المتواترة كلها لا تتباين ، ولا تتضارب ، بل تتلاقى ، وتكمل واحدة معنى في الأخرى ، فبالجمع بين القراءتين يكون معنى النص السامي : اجعل الحمد دائما مستمرا ومتجددا ؛ ليكون القلب دائما عامرا بذكر الله تعالى . رَبِّ الْعالَمِينَ في هذا الوصف للذات العلية إشارة إلى سبب الحمد الكامل ، الدائم المستمر المتجدد ؛ لأنه هو المالك والسيد ، والمربى لهم والرقيب عليهم ، الذي ميزهم بالنعم المستمرة ، والآلاء المتكررة التي لا تنقطع أبدا . فالرب هو المالك وهو السيد ، وهو المصلح والمدبر ، والجابر والقائم على كل شئ ، الذي يسير الوجود كله بحكمته وبقدره وإرادته .