سميح عاطف الزين

388

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

يجعل إصدار الحكم باملدح والذمّ لميول الإنسان الفطريّة ، لأن هذه الميول تصدر الحكم بالمدح على ما يوافقها ، وبالذّمّ على ما يخالفها . وقد يكون ما يوافقها مما يذمّ كالزنا واللواط والاسترقاق ، وقد يكون ما يخالفها مما يمدح كقتال الأعداء ، والصّبر على المكاره وقول الحقّ حتى في حالات تحقّق الأذى البالغ ، وهو ما يتمثل في كلمة الحق عند سلطان جائر التي قد تؤدي إلى الهلاك . . ولذلك كان جعل الحكم للميول والأهواء خطأ محضا ، ويأتي مخالفا للواقع . فكان من غير الجائز أبدا أن يجعل للإنسان إصدار الحكم بالمدح والذمّ . . وعليه فالذي يصدر حكمه بالمدح والذّم هو اللّه سبحانه وتعالى وذلك من خلال ما شرعه للناس ، وليس من خلال رغباتهم وميولهم وأهوائهم ، حتى ولا من خلال عقولهم القاصرة عن الإتيان بأحكام مثل التي أنزلها اللّه العليم الحكيم . ثم إنه لو ترك للإنسان أن يحكم على الأفعال والأشياء بالمدح والذمّ لاختلف الحكم باختلاف الأشخاص والأزمان . لأنه ليس في مقدور الإنسان أن يحكم عليها حكما ثابتا ونهائيا ، غير قابل لأي تبديل أو تحويل . إذ من المشاهد المحسوس أنّ الإنسان يحكم على أشياء بأنها حسنة اليوم ، ثمّ يحكم عليها العكس غدا . وقد يكون حكم على أشياء أنها قبيحة ، ثمّ يعود فيحكم عليها نفسها بأنها حسنة . وبذلك يختلف الحكم على الشّيء الواحد ، ولا يكون أبدا حكما ثابتا ، فيحصل الخطأ في الحكم ، ولذلك لا يجوز أن يجعل للعقل أي للإنسان الحكم بالمدح والذمّ . إذن ، فلا بدّ أن يكون الحكم على أفعال العباد وعلى الأشياء المتعلّقة بها من حيث المدح والذمّ هو للّه سبحانه وتعالى وليس للإنسان . وحكم اللّه - عز وجل - يكون من خلال الشّرع ، لا بواسطة العقل ، وإن كان العقل الأداة الوحيدة لفهم شرع اللّه سبحانه وتعالى .