سميح عاطف الزين
387
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الكمال والنّقص ، ومثل : إنقاذ الغريق حسن وتركه يهلك قبيح ، فإن الطّبع يميل لتحسين العلم ولإسعاف المشرف على الهلاك ويأنف من الجهل ، ومن عدم إسعاف الغريق . . فهذا وما شاكله يعود إلى طبع الإنسان وفطرته وهو يشعر به ويدركه ، ولذلك كان إصدار الحكم على الأشياء من هاتين الناحيتين هو للإنسان أي أن الحاكم فيهما هو عقل الإنسان . وأما الحكم الثاني ، أي الذي يتناول الأفعال من ناحية المدح أو الذمّ في الدنيا ، والثواب والعقاب عليها في الآخرة ، فلا شكّ أنّه للّه - عزّ وجلّ - وحده ، وليس للإنسان ، أي هو للشّرع وليس للعقل . وذلك كحسن الإيمان وقبح الكفر ، وحسن الطّاعة وقبح المعصية ، وحسن الصوم وقبح الإفطار ، وحسن الطهارة وقبح النجاسة ، وهكذا . . والسبب في ذلك يعود إلى أنّ العقل لا يحكم إلّا بالاستناد إلى إحساس وواقع ومعلومات سابقة ودماغ . فالإحساس جزء جوهريّ من مقوّمات العقل . فإذا لم يحسّ الإنسان بالشّيء لا يمكن لعقله أن يصدر حكما عليه ، لأنّ حكم العقل على الأشياء مقيّد بكونها محسوسة ، ويستحيل عليه إصدار حكم على غير المحسوسات . فكون الظّلم مما يمدح أو يذمّ ليس بشيء محسوس يخضع لحواس الإنسان ، فلا يترك إلى العقل ليمعن فيه إعمالا وتفكيرا ، لأنه لا يعقل في الأصل ، وبالتالي فلا يمكن للعقل إصدار حكم عليه ، وإن كان الإنسان يشعر بفطرته أنّ مدح الظلم مكروه ، وأن ذمّه مقبول . وبما أن الشعور وحده لا يكفي ، ولا ينفع لكي يتاح للعقل أن يحكم على الفعل أو الشيء فقد صار العقل غير قادر على أن يحكم عليهما بالحسن أو القبح ، وبالتالي بالمدح أو الذم . إذ هو لا يتأتى له أصلا إصدار مثل هذا الحكم ، بل يستحيل عليه ذلك . فلا يجوز إذن أن يترك له إصدار هذا الحكم أي في الوقت الذي يستحيل عليه ذلك . كما لا يجوز أن