سميح عاطف الزين

590

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

من هنا لم يكن الإسراء والمعراج المعجزة التي أريد منها قهر الناس لحملهم على الاعتقاد بصدق نبوة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما كان يحدث للأنبياء السابقين ، وإلا لكانت تلك الخارقة قد حصلت في الظروف الحالكة والصعبة التي كان يعيشها النبيّ والمسلمون معه ، خاصة المستضعفين منهم ، بل كانت من أجل التكريم لشخص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والإيناس له ، ومن غير أن تعطل المنهج العقلي الذي اشترعه القرآن . . فقد اقترح المشركون على النبي - يوما - أن يرقى في السماء ، فجاء الجواب من عند اللّه سبحانه : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا . فلما عرج به إلى السماء بعدئذ ، لم يذكر قط أن ذلك كان ردا على التحدي ، بل على العكس ، وجدنا الروايات تحدثنا عن أن صعوبة تصديق حادث غيبي كهذا ، دفع بالمشركين إلى مزيد من التحدي والاستهتار ، كما ردّ نفرا من المسلمين من ضعاف الإيمان إلى الكفر ! . . ومهما يكن من أمر فإن معجزة تكريم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تركت ثمارها في نفسه الزكية ، فاستراح إلى رعاية الخالق ، وقل اكتراثه لذم أهل الجهل والعنت ، ثم نشط إلى متابعة الدعوة التي بعث لحملها . على أنه سبحانه وتعالى ، وإن لم يشأ - جلّت قدرته - أن تحفل حياة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كنبي ورسول ، بالمعجزات ، كما حفلت بها حياة النبيين والمرسلين الذين كان خاتمهم ، فإنه تبارك وتعالى ، جعل مقابل كل المعجزات ، التي حصلت في زمان معين ، وفي مكان معين واطّلع عليها أناس شهدوا وقوعها ، وعايشوا أحداثها ، أجل جعل مقابلها جميعها معجزة واحدة تلتصق بحياة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وتكون حية أبد الدهر ، تتحلل من قيود الزمان والمكان ، لتخاطب الأزمان كلها ، والخلائق