سميح عاطف الزين

557

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الديار ، وقف زيد بن حارثة يرجوه ألّا يدخل مكة إلّا بجوار أحد من أهلها ، تخوّفا من غدر الكفار ، وما قد ينصبون له من مكيدة غير متوقعة . . وتفكّر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو يرى هذا الفتى يتعلق بأطراف ثوبه ، ويحول بينه وبين النزول إلى مكة ، فما وجد في مقالته إلّا صوابا . ولم لا ، ومشاعر زيد الصادقة لا تنبع إلا من نفس صافية . وليس عزيزا على اللّه - عز وجل - أن يلهم ذوي النفوس المؤمنة الموقنة ، بما فيه خير عباده الصالحين ، كما في هذا الإلهام الرباني إلى زيد ، الذي فيه حذر من الخطر ، وتجنّب الوقوع فيه . أو ربما لمكرمة ، يشاء العزيز الحكيم ، أن يهبها للفتى المؤمن ، من أجل حبّه للّه ورسوله ، فكان هذا التعلّق بأثواب الرسول ، وحبسه عن النزول إلى مكة . . ولذلك نجد الرسول قد وافقه ، وقعد على مشارف مكة لا ينزل إليها في تلك الساعة . وتورد كتب السيرة بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طلب جوار عدة مشركين ، وأن أول من أرسل بأمره إليه الأخنس بن أبي شريف . . فلما طال الوقت ولم يرده خبر منه ، عاد وأرسل إلى سهيل بن عمرو كي يجيره ، فما جاءه منه جواب . فبعث عندها إلى المطعم بن عدي ، يقول له : إنّ محمد بن عبد اللّه يسألك الجوار حتى يبلغ رسالات ربه . . فأجابه المطعم إلى ما أراد . ولكن الليل كان قد حلّ ، فلم يفعل هذا الرجل شيئا وطلب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يبيت في مكانه . ولمّا أصبح الصباح خرج المطعم هو وبنوه الستة وقد تقلّدوا السيوف جميعا ، فاحتبس الأبناء بحمائل سيوفهم في المطاف ، بينما قبع أبوهم في أحد أركان المسجد ، إظهارا لأمره بإعطاء الجوار ، على ما