سميح عاطف الزين

524

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وعلى استقامة صفهم ، كي يتحاشوا ما أمكنهم الإيذاء ، وكي لا تزداد الإصابات التي وقعت بينهم ، وأدت إلى جرح العديد منهم . . وعمل المسلمون بأوامر رسولهم الكريم ، فأسرعوا يستحثون خطى العودة ، وقد أمكنهم أن يحققوا الغاية التي أرادوها ، وخرجوا بدعوتهم مؤمنين ، صادقين ، لتكون لهذه الدعوة انطلاقتها . وإنها ، والحق يقال ، كانت انطلاقة ميمونة ، وناجحة كما خطّط لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لكي تستمرّ بنجاحها حتى يتم اللّه - تعالى - أمره ، ويظهر دينه ولو كره المشركون . ويكفي تلك الانطلاقة نجاحا حتى ذلك الحين ، أن الحق والباطل قد تقابلا وجها لوجه ، ولأول مرة منذ مبعث الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، عدويّن متضادين : الحق ها هنا في صفّ الإيمان وأصحابه ، والباطل هنالك في جموع الشرك وأعوانه . وعاد المسلمون إلى دارتهم العامة ، دون أن يتفرق جمعهم في ساعة قد تغتنمها قريش فرصة سانحة ، فتثب عليهم ، آحادا وجماعات ، في وثبة رعناء لا يعرف مداها إلا اللّه تعالى ، ولا تكون نتائجها إلّا توقف الانطلاقة ، وتقهقر الدعوة ولو بصورة آنية . . أما إن بقوا في دارتهم ، ولو لبضع ساعات من الوقت ، فقد يجنّبهم ذلك كثيرا من المزالق والمخاطر ، ولن يكون بمقدور قريش مهاجمتهم في عقر دارهم ، لأنها تعرف أنهم كلهم فتيان أشدّاء ، ومستعدون للقتال والتضحية في سبيل دعوتهم . . هذا فضلا عن عدم إقدام قريش على تصرف طائش من هذا القبيل ، لأن من شأنه أن يوقع المواجهة العامة ، والاقتتال بين عشائر مكة وبطون قبائلها .