سميح عاطف الزين

523

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

لقد خرجوا في هذا التنظيم الدقيق الذي لم تعهده قريش من قبل ، متوجهين نحو الكعبة المباركة ، ليطوفوا على أعين الملأ من المشركين ، وليصلّوا ، على رؤوس الأشهاد ، جماعة واحدة ، متراصة . والمشركون واقفون يرقبون ما يجري تحت سمعهم وبصرهم ، وهم يكادون لا يصدقون ما يرون ويشهدون . . فقد أثّر فيهم هذا الخروج فأدهشهم ، وجعلهم يشعرون وكأن الأرض تميد بهم ، إلّا أنهم لم يفعلوا شيئا ، بل ظلوا في مواقعهم واجمين ، دون أدنى إشارة إلى تفرقة المسلمين ، أو أقلّ تحرك لمنعهم ممّا هم عليه . ولكن سرعان ما تبدّل الموقف بشكل مفاجىء ، وحصلت ردة الفعل بصورة سريعة وفورية ، عندما تنادى القرشيون - وكأنما صحوا من غفلتهم - يحضّون على جمع الحجارة ، واجتلاب الأشواك ، ثم ليندفعوا في هجمة شاملة ، وشغب عارم ، ولا همّ لهم إلّا أن يقذفوا المسلمين بالحجارة ، ويحثوا التراب والرمال على رؤوسهم ، ويتواثبوا على رميهم بمواعين النفايات والأقذار ، وضربهم بالعصي وحزمات الشوك ، حتى وصل بهم الهيجان إلى ذروته في اقتراف تلك الفعال الشنيعة ، وما كان يرافقها من سباب وشتائم ، ومن تهديد ووعيد إلى أقصى الحدود . . ووقع ما وقع من جراء تلك الهجمة العاتية ، إلّا أنّ المسلمين لم ينهزموا أمام ما يتعرضون له ، وما يصيبهم ، بل ظلوا على تماسكهم ، والأنظار كانت متوجهة إلى رسول اللّه ، وكل واحد منهم يريد أن يحميه بمهجته ، حتى لا يناله أي أذى أو ضرر . ولم يكن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأقل من الصحابة قلقا على سلامتهم ، فكانت أوامره تقضي بعدم المقاومة ، بل بالمحافظة على تماسكهم ،