سميح عاطف الزين
490
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أما واللّه لا يكون شيء من ذلك أبدا . . فإن محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو رسول الإسلام ، وهو كلما اشتدّ عليه الكفر وأعوانه ، ازداد صلابة وإيمانا . . وإن في مقاطعة قريش لدافعا جديدا له على الثبات والعزم ، فلا تزيده المقاطعة إلّا اعتصاما بحبل اللّه تعالى ، وتمسّكا بدينه القويم ، وتصميما على إظهار أمر ربه . . . وأصحابه من ورائه لا تزيدهم المقاطعة إلّا إيمانا ، وصلابة وصبرا . . فلا بأس ، إنهم يحتملون مشاق المقاطعة ، وفظاعة قسوتها ، ويقنعون بما قدّر اللّه تعالى لهم من ألم ، وعذاب ، واضطهاد ، لأنهم والدعوة الإسلامية صنوان ، بها يحيون ، ومن أجلها يعملون ، وفي سبيل اللّه ربهم وبارئهم ، أقسى أنواع المشاق يتحملون . . لم يقض على الدعوة الإسلامية كما توهمت قريش ، ولا اضمحلّ أمرها ، طوال سنوات ثلاث ، استمرت خلالها المقاطعة ، ودام تجويع المسلمين . . وبذلك خسرت قريش في الحقيقة ، ما ظنّته في الواقع أكثر أعمالها ربحا . . هذا في جوهر الأمر الذي قامت عليه سياسة البغي فما نالت منها قريش ما توهمت ، بينما أينعت للإسلام ثمرات جديدة في الصبر والثبات ، والاحتساب عند اللّه سبحانه وتعالى . . أما من حيث الشكل ، وفي ظاهر عمل قريش ، فقد بدا أن المقاطعة حققت أهدافها المرسومة من العنت والظلم ، إذ استطاعت أن تخرج الرسول الكريم والمسلمين ، وبني هاشم وبني المطلب من مكة ليعيشوا ثلاث سنوات كاملة في الشعاب ، وفي الفلاة ، فيعانوا من ألوان الجوع والحرمان أشدها ، ومن أشكال الحاجة والعوز أكثرها . . . لقد تركوا ديارهم ، وخلّفوا الأرزاق والمواشي بعدما منعت عليهم