سميح عاطف الزين

491

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

قريش حملها ، أو سوقها حين خروجهم ، إلّا بعض القوت والزاد ، وكان قليلا ، إذ ما لبث أن نفد بعد مدة وجيزة ، نظرا لكثرة عددهم وقد ضمّ جمع المسلمين ، وبطني بني هاشم وبني المطلب ، بشيبهم وشبابهم ، وبنسائهم وأطفالهم . . . وقبعوا في شعاب مكة في عزلة تامة عن بلدهم الآمن ، وعن العرب ، وفي مقاطعة شاملة . . . فأية حالة من الضنك وصل إليها أولئك المقاطعون ، عندما كانت تشتد عليهم الرمضاء المحرقة ، فلا يجدون إلّا الرمال الملتهبة ، والصخور المشتعلة ، فرشا يلقون عليها أجسادهم النحيلة التي تتهاوى ضعفا وتتضور جوعا . . . وكيف استطاعوا أن يطيقوا البرد القارس ، والصقيع القاتل ، في تلك الشعاب ، أيام الشتاء ، ولا غطاء ولا وطاء إلّا بعض الكهوف الضيّقة ، يدخلون إليها النساء والأطفال والشيوخ ، بينما يقبع الباقون خارجها ، يلتحفون السماء ، ويفترشون الغبراء تحت وطأة تلك الأحوال الجوية الشديدة . . وكيف يمكن أن نتصوّر حالة الشيوخ ، وقد وهن منهم الجسم ، واشتعل الرأس شيبا ، وهم لا يقدرون على تحمل جوع أو عطش ، ولا يطيقون حرا أو قرا ؟ أم كيف يمكن أن نتصوّر حالة الأمهات ، وأطفالهن يذوون على صدورهن ، فيتحول فلذات الأكباد من زهرات يانعة نضرة ، إلى هياكل بشرية ، لا حياة فيها ولا رمق ، إلّا بعض لهاث يتصاعد من الصدور بشق النفس ؟ . فكم ذوى من أولئك الأطفال جوعا وعطشا ، ولا حيلة للأمهات إلا ذرف الدموع ، وتصعيد آهات اللوعة ! . . .