سميح عاطف الزين

479

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عصاه ، وخطّ بها على الأرض خطّا - وقد بلغت منه المسرّة أكبر مبلغ - ثم قال : « ليس بين ديننا ودينكم أكثر من هذا الخط » . . ثم أمر ببعض رجال حرسه أن يأتوه بهدايا قريش ، ويدفعوها إلى عمرو بن العاص وهو يقول له : « أما أنت يا هذا ، فعد من حيث أتيت ، واحمل معك هدايا قومك . . فما أخذ اللّه الرشوة منّي حتى آخذها منكم ، ولا أطاع الناس فيّ حتى أطيعهم فيه ، ولا تعد إليّ بمثل ما أتيتني به » . . وخرج عمرو بن العاص من عند النجاشي ، وهو يجرّ أذيال الخيبة مرة أخرى ، وذهب إلى صاحبه عبد اللّه بن أبي ربيعة ، مصفّر الوجه ، عاقد الجبين ، يكاد يختنق من الغيظ والكمد ، فما عرف في حياته مثل هذا الفشل الذريع الذي لاقاه بالأمس واليوم ، وما عرف رجلا أذكى ولا أقوى حنكة من هذا الذي يسمى جعفر بن أبي طالب . إذ كيف أمكنه أن يأسر عقل النجاشي ، بمثل هذه السهولة ، وهل إلّا قرآنه الذي يقرأه هو الذي يعطيه مثل هذه القوة ، وتلك الحكمة ؟ . . وعاد موفدا قريش إلى مكة ، وهما يتجرعان كأس المرارة والحسرة ، لتذوقها قريش بدورها كأس علقم أشدّ مرارة من كأسهما ، وخيبة أمل أقوى من خيبتهما ، وهي ترى أن المهمة التي بعثت بها هذين الرجلين قد باءت بالفشل ، كما باءت من قبل جميع محاولاتها ، وسقطت كافة مكائدها التي نصبتها لقتل الدعوة الإسلامية في مهدها ، ومنعها من الظهور . . وقد لجأت منذ أن أعلنت حربها على هذه الدعوة إلى أسلحة متعددة :