سميح عاطف الزين

463

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

اللدود ، وهو يأخذ بمجمع ردائه ، ويجذبه جذبة قوية ، ويقول له : - ما الذي يحملك يا ابن الخطاب على فعل ما تفعل بحق المسلمين ؟ وما أتى بك إلينا ، فو اللّه ما أرى أن تنتهي حتى ينزل اللّه تعالى بك قارعة ! . واهتزّ كيان عمر . . فقد كان لبضع ساعات يريد قتل محمد بن عبد اللّه ، وها هو الآن بين يديه ، يحسّ بكلامه ينفذ إلى أعماقه ، وكأنه يلقي به إلى جحيم من النار ، ثم لا يلبث أن ينتشله ويدعو له بالرحمة . . فيظل ساكنا في وقفته ، لا يبدي أي قول أو حراك . فلما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على هذه الحالة ، دعاه إلى الجلوس والاستماع . . فامتثل عمر وجلس كطفل وديع ، ينظر إلى هؤلاء الفتيان من حواليه ، فلا يجد بينهم إلّا قريبا له ، أو صديقا ، أو عشير عمر ، فيقول في نفسه : ما بالي أجد نفسي في غربة بين هذا الجمع وكنا من قبل ردفا مردوفا ؟ أم أنني قد نأى بي المزار فبعدت عنهم بجاهلية ما إخال فيها إلّا الندامة والأسى ؟ ! . . بينما هم قد هداهم ربهم ، منذ أن آمنوا بهذا النبي وصدّقوه . ولعلّه فوز لهم كبير قد أحرزوه ، وسبقوني إليه ! . ولم يطل به التفكير ، إذ بادأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ببعض العتاب في قسوته وشدته على المسلمين ، ثم راح يرشده ويهديه ، مبيّنا له الفوارق بين عبادة اللّه الواحد الأحد ، الرحمن الرحيم بعباده ، وبين الآلهة التي تعبدها قريش ، وهي عبارة عن تماثيل أو أخشاب ، أو هي أشجار أو صخور ، وكلها من الجوامد التي لا شأن لها . وفي عبادتها امتهان لكرامة الإنسان ، وحطّ من قدره . ثم راح يتلو عليه من آيات اللّه تعالى ما يفتح مدارك العقل المغلقة ، ويرشد النفوس التائهة . ولم يمض إلّا قليل من