سميح عاطف الزين

44

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

. . وهكذا تترى التربية من الملأ الأعلى ، وهي تتدرج بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من العلم بحقائق الكون والحياة ، وبمعرفة أخبار الأمم والشعوب حتى تصل إلى إعداده النفسي الذي يمكّنه من تلقي القول الثقيل ، الذي ينجم عنه العمل الجليل . ولكن هذه الصلابة في التربية - تكليفه بالعبادة أكثر ساعات الليل - إنما هي تدريب على الأتعاب وتحمّل الصعاب . فمن الصلاة ( القيام والقعود والركوع والسجود ) إلى تلاوة القرآن ثم إلى ترتيله ، ثم إلى التفكّر في آيات اللّه تعالى وآلائه . . وكانت أقوى عوامل الصلابة تأتي من داخله ، إذ كلّما تلا محمّد القرآن ورتّله انبعثت في نفسه الراحة وازداد الاطمئنان ، خصوصا في جو معارضة رسالته ، وفي خضمّ مقاومتها ، وفي شدة العداوة التي يلاقيها في يومه من قومه ، وقد أقبل الكلّ على التصدّي له في دعوته ، ومحاربته بشتى الوسائل والأساليب . نعم ، هذا هو محمد بن عبد اللّه ، الإنسان والرّسول . الإنسان الذي امتلك تلك الشخصية الفريدة التي تميّزت بخصال نادرة ، وحفلت بقيم وعطاءات جليلة ، فكانت الشخصية التي تنمّ عن اكتمال تكوينه ، وعن سموّه وعظمته . وهو الرسول الذي لم تكن لغيره المكرمة التي خصّه اللّه تعالى بها عندما جعله رسولا للناس كافة . ومما لا شك فيه ، أن محمدا لو لم ينزل عليه الوحي ويخاطب من السماء لكانت له القدرة على أن يقيم مجتمعا إنسانيا رفيعا . ولكن اللّه عزّ وجلّ أتمّ عليه نعمته ، فجعله نبيا ورسولا كريما ، وبذلك اجتمعت له الفطرة الإنسانية العالية بالتربية الذاتية المثالية : ثم تلاقتا بالإعداد الرّباني