سميح عاطف الزين
45
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
السخيّ ، فكان التكامل الإنساني ، فالتأديب الإلهي الذي عبّر هو ذاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنه بقوله : « لقد أدّبني ربّي فأحسن تأديبي » « 1 » . وهكذا كانت الفطرة الإنسانية السليمة الصافية في محمد ، مقدمة للرسالة الإلهية ، وما كانت إحداهما لتغني عن الأخرى . فما كانت رسالة الإسلام الشاملة لتنزل على غير ذي نفس صافية ، وعقل كامل ، وفكر مدرك ، وشخصية عالية كما رأينا في نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسّلام . كما أنها ما كانت تلك السجايا والملكات ، مهما بلغت من الكفاية بمغنية عن تلك الرسالة الكريمة ، لأنها وحدها لا تؤهل صاحبها لأن يعي الماضي بكل ما فيه ، وأن يتدبّر حاضره بكل ما يحفل به ، ثم يتشوّف إلى مستقبل كريم بكل ما سيكون عليه ، بل كان ربّما انحصر اهتمامه في حيّز زمانه وفي نطاق بيئته . ولكن شاء اللّه العليّ الحكيم ، أن يكمّل ذاتية محمد بما منحه من الهبات ، حتى يكون قادرا على تلقّي الوحي ، وعلى تبليغ الرسالة إلى بني الأرض في أسمى معانيها وأرفع غاياتها ، فبعث في زمن كان فيه للإنسان من النّضج العقلي ما يمكّنه من استيعاب تعاليم السماء والعمل بموجبها إن هو أراد تحقيق الإنسانية بأجلى صورها في الأرض ، أو تطلّع إلى الكمال النهائي فيما بعد الحياة الدنيا . . . وهكذا نرى : أن محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بما هو فيه وعليه من الكفاءات الهائلة النّادرة ، وبعد حمل أمانة السماء وتأديتها - رغم عتوّ جبابرة قريش ومن لفّ لفّهم من حوله - نراه يشكّل بذاته وصفاته معجزة كبرى ، إذ المعجزة بحد ذاتها ليست سوى العمل الذي تضعف أمامه قدرة الإنسان
--> ( 1 ) البخاري باب العلم صفحة 31 .