سميح عاطف الزين
371
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أخبار الماضي إلّا ما ينبئه به ربّه العليم الخبير . ولم يوافق ردّه هواهم ، فراحوا يتصايحون وهم يتهمونه بشتى الاتهامات الباطلة ، حتى وقف أحدهم أخيرا وقال : - أجيبوا الرجل إلى ما يريد ، فإنه يبدو عاجزا مهموما . ولعلّه يريد أن يسأل ربّه عمّا سألتموه ، فلم لا ندع له الفرصة التي لن تجديه نفعا ؟ . وتركهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وذهب كعادته للصلاة ، والدعاء إلى اللّه سبحانه وتعالى أن يبيّن له من آياته العظمى ما يجلي تلك المسائل التي طرحوها عليه ، فيقرّ في الأذهان أن اللّه سبحانه وتعالى هو وحده عالم الغيب والشهادة ، وأنه لم يكن لمحمد ، ولا لأحد ، من الخلائق أن يعلم إلّا ما يعلّمه له ربه ، فما العلم أولا وأخيرا إلّا من عند اللّه عز وجل ، وهو صاحب الشأن ، إن شاء - سبحانه - أعلم نبيه أو منع عنه . ومضت عدة ليال ، ولم يتنزّل الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وكان رجال من قريش يصادفونه في طوافه ، أو في طرقات مكة ، فيعترضون طريقه ، ويسألونه عمّا طلب القوم منه ، فكان لا يردّ ، بل يؤثر الانصراف عنهم . ولما ظنّ المشركون أن التعجيز قد أصاب أهدافه ، وأن هذه جولتهم الأخيرة مع محمد بن عبد اللّه انصرفوا إلى الدعة ، وإلى طلب الملذات في الحانات ، وتحت الرايات كعادتهم كلما ظنوا أن النصر حليفهم . ويظهر الفارق هنا بين نبيّ يقضي لياليه في طاعة اللّه ربه ، وفي طلب الرحمة والهداية للناس ، بعيدا عن همومه الشخصية ، وعن أية غاية لنفسه ، وبين تلك الطبقة الباغية من قريش التي كانت تمضي لياليها وهي