سميح عاطف الزين

36

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إنه ذلك الطفل الذي تربّى يتيما ، محروما من رعاية الأب كلّها ، ومن حنان الأم إلّا أقلّه ، ورغم ذلك لم يذلّه اليتم ولم تقهره قساوته ، حتى أنه لم يكن عائقا في درب تكامله ، بل على العكس ، فقد كان اليتم له زادا روحيّا ، جعله في حياته الإنسان العطوف الرّحيم ، فاستحق يتمه أن يكون معلّما وموجّها ، لا ذلا يعاني منه الطفل في إنسانيته ، ولا مدعاة تعبير عن شفقة يتصدّق بها ذوو الفضل عليه كما يجري عادة لليتامى والمساكين . إنه ذلك الفتى الذي ابتعد عن الطّيش ، وترك اللّهو واللّعب وانصرف منذ مطلع تفتّحه على الحياة إلى التّفكّر بالقيم والمثل التي تنمّي مداركه ، والبحث عن الطرق التي تقوّي ملكة الخير في نفسه ، وتلمّس السّبل التي تفتح باب الحقيقة أمام عقله ، حتى كانت فتوّته نسيج ذاته ، تختلف فيه تماما عن فتوّة أبناء الأرض كلّهم . إنه ذلك الشاب الذي قهر شظف العيش ، وانتصر على مرارة الفقر والجوع ، لا باتّكاله على غيره ، وإنما ببحثه الدائم عن الكسب الشريف واجتناء الرزق الحلال من العمل اليدوي والجهد الشخصي ، حتى صار مثال العاملين الشرفاء في كل زمان وكل مكان . لم يجذبه طيش الشباب ورعونته ، ولا أغوته المحرّمات ومفاسدها ، أو زخرف الدنيا وزينتها ، بل هو أبدا الشاب الرصين ، الفاضل ، الذي ديدنه الاستقامة ، وناموسه الحلال والطهارة . إنه ذلك الزوج والأب المثاليّ ، تلقي سنوات الشقاء والمكابدة أثقالها عليه ، ويؤاتيه الوقت الذي يفيض به عليه اللّه - تعالى - من نعمائه ، فيصير غنيا بالمال ، والزوجة والبنين فهل اكتفى بذلك ؟ لا ،