سميح عاطف الزين

37

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

واللّه . . إنه محمد ذاته ، الذي يظلّ على عهده مع نفسه ، قائما على تربية ذاته ، لا تبهره حلاوة الدنيا وقد أقبلت عليه ، ولا تغره الثروة وقد كثرت بين يديه ، فكان مثال الزّوج الوفيّ ، يقدّس حرمة الزواج ، ويصون حقوق المرأة ، ومثال الأب البار ، يهذّب أبناءه ، ويقوم على تربيتهم الصالحة . فليس محمد رجلا عاديّا ، إذا أقبلت عليه السعادة من كل جانب - صحة ومالا وعائلة ومكانة - انصرف عن هموم إصلاح مجتمعه ، وما عاد يحفل بالصالح العام ، مكتفيا بنطاقة الحياتي الخاص ، أو مجتهدا في المحافظة على هذا النطاق . . لا ، لم يكن محمد بن عبد اللّه من هذا النوع من الرجال عندما أقبلت عليه الحياة ، ولفّته السعادة بفيضها . . وحاش للرسول المنتظر أن يأخذه شيء من زخرف الدنيا وغرورها . . لقد عاش محمد في مجتمع جاهليّ ، تتحكم فيه عادات وتقاليد يغلب عليها طابع الصلف والعناد والقساوة والجفاف ، ويقيم أغلب عيشه على الغزو والسلب والاقتتال ، وتنطوي مقومات حياته على أبشع ما عرف الإنسان في تاريخه من هدر لقيمة الإنسان كما هو الحال في وأد البنات . . وكل هذا إلى جانب امتلاء المجتمع بالمفاسد بأبشع مظاهرها من تعاطي الفواحش والمنكرات ، وأكل الربا والسحت ، والولوغ في اللّذائذ المادية والرغبات الجنسية . في مثل تلك البيئة القاسية البعيدة عن طاعة اللّه عز وجل ، عاش محمد بن عبد اللّه ، وهو كاره لواقع مجتمعه السيء ، مبتعد عن كل عاداته وتقاليده المخزية . . ولكنّ محمدا لم يقف عند حدود السلبية من موبقات مجتمعه ، ولا اكتفى بلعنها وترذيلها ، بل انصرف إلى التفكير فيما يجب أن يعمله