سميح عاطف الزين

257

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

لمحاربة الدعوة فيما بعد ، ممن صدق فيهم قول اللّه تعالى : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ « 1 » . وكانت تلك الحلقة أول خطوة على هذا الدرب الطويل الذي سوف يسير عليه نبيّ الإسلام ، والذي سوف يلاقي في سلوكه كلّ عنت وجهالة . . فقد قام بعد تلك المحاولة الأولى بمحاولات عديدة مماثلة ، إلّا أنه لم يلق خلالها إلا الإعراض نفسه ، والنفور عينه ، دونما استجابة من أحد ، أو اهتمام بما يبديه ويصرّح به . . وهذا ما أثار في نفسه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الألم والحزن ، وجعله يهفو إلى لقاء الروح الأمين جبرائيل عليه السّلام ، علّ في لقائه ما يؤنس قلبه ، ويفتح أمامه السبل التي من شأنها أن تزيح الغشاوة عن عقول هؤلاء القوم ، وتمزّق الغلف عن قلوبهم . ولكن الوحي تأخرّ عليه ، وهذا ما زاد في غمه وقلقه . . فرأى أن خير ما يعينه على تباطؤ الوحي قد يكون في الذهاب إلى جبل حراء ، فهناك وفي داخل الغار يجد الأنس لقلبه ، والطمأنينة لنفسه ، لأنه المكان المبارك الذي اعتاد فيه الاتصال بربه تعالى عندما كان في تعبّده وتحنثه قبل بعثه ، وهو المكان نفسه الذي رأى فيه جبرائيل عليه السّلام لأول مرة ، فصار منذ ذلك الحين يشتاق إليه ، ويحنّ إلى لقائه . . ولو كان الأمر بيده لاستعجله ، واستكثر مما يأتي به من آيات اللّه البيّنات . وبمثل هذا التوجه كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يذهب إلى جبل حراء ، ويدخل إلى الغار متعبدّا ، داعيا ، منيبا ، عسى أن يعاوده الوحي . . وكانت المرارة تزيد في نفسه يوما بعد يوم ، إذ إنه فوق تأخّر الوحي كان

--> ( 1 ) سورة الزخرف : الآية 23 .