سميح عاطف الزين

258

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

المشركون قد أخذوا يتقوّلون عليه أقاويل شتى ، وكلها كذب وافتراء ، ولا تنم إلّا عن الاستهزاء والسخرية منه . فقد اتهموه في بادىء الأمر بأن عوارض تصيبه من الجنون ، ثم لما تباطأ الوحي عنه ، صاروا يقولون : « أرأيتم محمد بن عبد اللّه . . لقد تركه ربه وقلاه » ! . أجل لقد اتخذوا من قول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنه نبيّ ورسول من عند اللّه الواحد ، مادة للهزء به ، فراحت ألسنة السوء تلوك سمعته وتحاول النيل منه . وقد انقلبت صورته بين ليلة وضحاها من محمد الصادق الأمين إلى رجل عادي لا يستأهل الجلوس معه ، والتحدث إليه . . فكانت تلك الفترة حرجة جدا عليه ، وزادت في ضيقه . ولكنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رغم ذلك كله لم ييأس ، ولم يقنط من رحمة اللّه تعالى ، بل ظل على عهده مع ربه ، قائما على عبادته ، والدعاء إليه عز وجل ، حتى مرت خمسة عشر يوما فإذا الهموم تنزاح عن نفسه ، ويأتيه الفرج الذي ينتظره عندما عاوده الوحي الذي يحمل إليه الأدلة والبراهين على حب اللّه تعالى له وذلك بقوله المجيد : وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) « 1 » . فما أعظم هذه الألطاف الإلهية وهي تتنزل على قلب سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكلها إيناس وطمأنة لقلبه . فاللّه سبحانه وتعالى يقسم بأنه لم

--> ( 1 ) سورة الضحى .