سميح عاطف الزين
256
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يذهب فيها إلى شعاب مكة ، حيث كان يقضي هناك كل يوم فترة من الوقت يصلي لربه ، ويدعوه أن يعينه على أداء رسالته . . وكان في ترداده إلى الكعبة الشريفة يتحيّن الفرصة التي يتاح له فيها أن يفاتح الناس بما بعثه اللّه تعالى به . حتى كان ، ذات مرة ، وقد رأى النقاش محتدما بين نفر من قريش ، وهم يحلفون باللات والعزى على عادة القوم يومئذ ، فما كان منه إلّا أن تقدم ينحي باللائمة عليهم ، وينهاهم عن الحلف بأصنام جامدة لا تنفع ولا تضر ، ويبيّن لهم أن الحلف الحقّ إنما يكون باللّه العلي العظيم الذي تقوم له السماوات والأرض ، والذي - سبحانه - وحده الإله الحق ، وما دونه الكفر والباطل . وكانت الصدمة شديدة على عقول أولئك النفر . . صحيح أنهم لم يروا محمدا يعبد الأصنام من قبل ، أما أن يعترض ، ويمنع عليهم الحلف بمعبوداتهم ، فهذا طعن ليس بدينهم ، بل وبدين الآباء والأجداد ، وفي ذلك ما فيه من العجب . . بل وكان أشدّ وأقوى ما أخذهم من العجب أنهم لم يعيبوا على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شيئا من قبل في حياته قطّ ، فهو الصادق الأمين بين الناس ، وهو المثال في القول والعمل بين القوم ، فما باله اليوم يدعوهم إلى ترك آلهتهم وعبادة اللّه وحده ؟ ! . . إنه لأمر محيّر فعلا ، ولا يدرون له تفسيرا . . ومع ذلك فإن أحدا لم يجرؤ على تكذيبه ، أو الردّ عليه ، بل آثروا الانسحاب وتركوه وحده دون أدنى جدال أو نقاش . أما النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يستغرب هذا الإعراض عنه ، فقد كان يعلم أن الجاهلية قد جعلت قلوب الناس قاسية غليظة ، وأن عبيد الوثنية ، هؤلاء وغيرهم ، قد ألفوا ما كان يعبد آباؤهم ، فصار من العسير أن يتخلوا عن معتقداتهم البالية ، الخرقاء . . فكانوا هم ومن وقف موقفهم ، وتصدّى