سميح عاطف الزين

248

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أما هو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقد حفظه اللّه تعالى من رجس الوثنية ، فلم يثبت على الإطلاق أنه انحنى لصنم ، أو أقام شعيرة عند وثن . وإن سيرة حياته الشريفة كلها تنبىء بذلك ، ويؤكدها قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لم يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم ، ولم يدنسني بدنس الجاهلية » « 1 » . وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ . أي لا تعط عطيّة تلتمس بها أكثر منها وأفضل ، لأن الكريم يستقلّ دائما ما يعطي وإن كان كثيرا . والسرّ فيما ينهى اللّه تعالى رسوله عنه هنا هو أن يكون العطاء خاليا من انتظار العوض تعففا وكمالا ، فالدعوة هي في الأصل عطاء من اللّه تعالى المعطي ، فيجب أن تتناسب معها حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن تقوم على العطاء ، بلا منة ، ولذا كان التلازم بين العطاءين مؤديا إلى الكمال في الرسالة . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ . وهو الصبر الذي يوجه اللّه تعالى رسوله إليه عند كل تكليف من تكاليف هذه الدعوة الشاملة . . فأمام حاملها معركة شاقة ، متعددة الجوانب والاتجاهات ، ويكفي منها المعركة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب والأطماع والنوازع المادية التي تغري الناس وتفتنهم . ثم هنالك المعركة مع الأعداء الذين سيقفون بوجه هذه الدعوة ومحاربتها بلا هوادة . . وكل ذلك يتطلب الزاد الضروريّ وهو الصبر على المواجهة ، والصبر على البلاء ، والصبر على الاحتمال . .

--> ( 1 ) السيرة الحلبية م 1 ص 30 ؛ الدر المنثور ج 5 ص 98 وغيرهما كثير .