سميح عاطف الزين
222
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
كل عام ، يقضونها بعيدا عن الناس حيث يختلون إلى أنفسهم التواقة إلى الاهتداء للحقيقة المطلقة . . وكانوا يسمون هذا النوع من الانقطاع : التحنث . . وهذا ما كان يفعله محمد عندما اختار منذ سنوات خير مكان يصلح للانقطاع والتحنّث أي التعبد واعتزال الأصنام . ففي الناحية الشمالية الشرقية من مكة ، وعلى بعد ثلاثة أميال عنها يقع جبل حراء ، وفي أعلى هذا الجبل كهف يقال له غار حراء ، ليس حوله زرع ولا غرس ولا عمران ، وإنما صخور تملأه بأجمعه . . وإذا أراد أحد الوصول إلى هناك فإن عليه أن يسلك طرقا متعثرة ، وممرات صعبة ترتفع به رويدا ، رويدا ، ويستغرق ساعتين حتى يدرك الغار . . فإذا أراد الدخول إليه ، فإنه لا يقدر أن يمرّ إلّا عبر فتحة ضيقة بين صخرتين كبيرتين لا يمكنه تجاوزهما إلّا بشق النفس . فإذا صار في جوف الغار انقطع عن كل شيء ، فلا يرى أرضا ولا سماء ، ولا يسمع حسيسا ، لأن المكان كله لا يؤمه طير أو حيوان ، ولا يأتيه أحد من الناس . . في ذلك الجبل ، وفي غار حراء بالذات كان محمد ينقطع إلى عبادته وتحنثّه . إذ كان يأتي إليه طوال شهر رمضان من كل سنة ، يقضي فيه تلك المدة التي اختار فيها العزلة بعيدا عن الناس . وكان يكتفي بالقليل من الزاد والماء يحملهما معه في رحلة التأمل الرمضانية ، مع سراج لا يكاد يضيء ظلمة الغار . . وكان لا يترك مكة قبل أن يطوف حول الكعبة ، ويتبرك بها ، ثم يوزع الهبات والمعونات التي اعتاد توزيعها منذ زواجه . وبعدها يقطع المسافة الوعرة ، ليدخل إلى غاره ، وهمه الأوحد الاهتداء إلى الحقيقة والتماس الحق . . وليس صعبا على محمد بالذات الاهتداء إلى الحق الذي ينشد . .