سميح عاطف الزين

221

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فأما ورقة بن نوفل فقد دخل في النصرانية وأقام في مكة ، وقد نقل بعضا مما في التوراة . وأما عبيد اللّه بن جحش فإنه لم يعد يحفل بالأصنام منذ ذلك اليوم ، ولكنه ظل على حاله من الالتباس حتى أدرك الإسلام . . وأما عثمان بن الحويرث فقد ترك مكة ، وذهب إلى قيصر الروم في بيزنطة حيث تنصّر ، وحسنت منزلته عنده ، وقد رغب بأن يخضع مكة لحماية الروم ، ويكون عامل قيصر عليها ، ولكن طرده المكيّون ، فاحتمى بالغساسنة في الشام ، ومات عندهم مسموما . . وأما زيد بن عمرو بن نفيل ، فإنه ما إن أعلن رفضه لعبادة الأصنام حتى قام إليه أقرب المقربين منه ففرّ هربا من زوجه ، ومن عمه الخطاب ، وراح يطوف في بلاد الشام ، وفي بلاد العراق بحثا عن دين جديد يقنع به ، فلم يوفق إلى ذلك ، وظل على حالته تلك حتى نصحه أحدهم بأن يعود إلى مكة لأنه قد أطلّ زمان نبي يخرج من بلاد العرب ، فلما بلغ بلاد لخم في طريق العودة ، تصدى له بعضهم وقتلوه . . وكان محمد يعرف كل تلك الأمور . بل لقد كان يرى ، ويعلم كل ما يدور في بيئته ، وكان يعيش أحوال الناس وأفكارهم . . فلم يجد شيئا منها يمكن أن يروي غليل فؤاده ، أو يقنع عقله الذي كان يقوده على طريق أمر جلل ، وشأن عظيم ، يحسّ به كامنا في أعماق نفسه ، إلّا أن الغيب يطويه عنه ويحجبه عن بصيرته فلا يهتدي إلى سرّه القدسي . . ومن أجل ذلك كان انشغال باله بصورة دائمة . وكان قد دأب منذ مدة طويلة على الانقطاع عن الناس والاختلاء إلى نفسه ، شأنه في ذلك ، شأن أهل الحكمة والرأي من العرب الذين كانوا ينقطعون للعبادة فترة من