السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
58
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا » اتبعنا « مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ » واحدا تلو الآخر ، فبعد موسى يوشع ، لأن هارون توفي قبله ، ثم شمويل ، فداود ، فسليمان ، فأرميا ، فحزقيل ، فالياس ، فاليسع ، فزكريا ، فيحيى ، وكل هؤلاء وما بينهم ممن لم يقص اللّه علينا أسماءهم وأقوامهم شريعتهم التوراة ، ولما بعث عيسى بن مريم وأنزل اللّه عليه الإنجيل عدل بعض أحكامها وصار عمل عيسى ومن بعده بالتوراة والإنجيل معا ، ولهذا قال تعالى « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ » الموضحة لأحكام التوراة والمعجزات الظاهرات التي لا تقبل التأويل كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وشفاء المرضى « وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » جبريل عليه السلام ، وقد أمر أن يكون معه من حين ولادته إلى وقت رفعه ، وهذا هو معنى التأييد ، وما قاله بعض المفسرين إن المزاد به الإنجيل لأن فيه حياة الأرواح كالقرآن بعيد عن المراد ، وإن كان الإنجيل كذلك ، لمخالفته للظاهر الذي هو الحقيقة ، فالعدول عنها إلى المجاز دون صارف لا وجه له ، وقد صرح اللّه تعالى بإتيانه بالإنجيل بآيات كثيرة عدا هذه كما صرح بالتوراة لموسى ثمّ ذكر آياته كاليد والعصا وبعض معجزاته الأخرى ، وروح القدس أطلق على سيدنا جبريل بمواقع متعددة حتى صار كأنه علما له ، أما لفظ الروح فقط فيطلق على القرآن وعلى التوراة وعلى الإنجيل بذلك المعنى وعلى نوع خاص من الملائكة كما مر في الآية 38 من سورة الأنبياء في ج 2 « أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ » أيها اليهود « بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ » من الأمور « اسْتَكْبَرْتُمْ » عنه وخالفتموه تبعا لهواكم « فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ » مثل عيسى قبلا ومحمد الآن « وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ » ( 87 ) كزكريا ويحيى ومن تقدمهما « وَقالُوا » هؤلاء اليهود « قُلُوبُنا غُلْفٌ » خلقة مغشاة بأغطية لا يصل إليها ما جاء به محمد فأكذبهم اللّه بقوله ليست كذلك « بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ » طردهم وأقصاهم من رحمته بسبب كفرهم « فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ » ( 88 ) منهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، والأكثر الذين يكفرون به « وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ » من التوراة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم « وَكانُوا مِنْ قَبْلُ » قبل نزوله وبعثة محمد « يَسْتَفْتِحُونَ »