السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

38

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

واعلم أن التقوى ظاهرا وباطنا ، فالظاهر ما يحل بظاهر البدن ، وهو المحافظة على حدود اللّه تعالى ، فلا يتجاوز شيئا منها ما استطاع ، وإذا أكره يبادر حالا للاستغفار والرجوع ، والباطن ما يحل بباطنه من الإخلاص في العمل وحسن النية ، وقد اتفقت الأمة على فضلها ولزوم التحلي بها وعدم مرافقة غير أهلها ، ولهذا قال : ولا تمش إلا مع رجال قلوبهم * تحنّ إلى التقوى وترتاح للذكر لأن الذي يريد أن يعيش عيشة طيبة توصله إلى الراحة الدائمة في الآخرة ، عليه أن يقضي حياته مع المتقين كي يكون حي القلب دائم اليقظة بعيدا عن الغفلة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة ( التقوى هاهنا ) يشير إلى صدره الشريف مكررا لفظها ثلاثا لأنه محل القلب الذي هو بمنزلة الملك للجسد ، فإذا صلح صلح كله ، وإذا فسد فسد كله ، كما جاء في الحديث الآخر الصحيح أيضا ، وذلك لأن التقوى تورث خشية اللّه ، وخشية اللّه تمنع صاحبها من كل سوء ، قالوا أمر الرشيد بحبس رجل ثمّ سأل السجان عنه فقال إنه كثير الصلاة والدعاء في سجنه ، فقال خله يسألني إطلاقه ، فعرض له بذلك ، فقال قل لأسير المؤمنين كل يوم يفي من نعمته ينقضي من محنتي ، والأمر قريب ، والوعد الصراط ، والحاكم هو اللّه . فلما بلغه الرشيد ذلك خرّ مغشيا عليه ، ولما أفاق أمر بإطلاقه . لهذا على العاقل أن يخشى اللّه فيما يقول ويفعل ويعمل بالتقوى ، وقال الغزالي : التقوى كنز عظيم فإن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر ورزق كريم وملك عظيم ، لأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فيها . ومن علامة التحقق بالنقرى أن يأتي المتقي رزقه من حيث لا يشعر ، ومن جهة لا تخطر بباله ، لأن من يتقي اللّه يقف عند حدوده ويجتنب معاصيه ، فيخرجه من طرق الحرام إلى الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة ، ويرزقه من حيث لا يرجوه . وقال ابن عباس : يخرج اللّه المتقي من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة . راجع الآية الثانية من سورة الطلاق الآتية . وعنه أيضا قال من اتقى اللّه وقاه كل شيء ، أي حفظه مما يخافه ، وقال داود بن نصر الطائي : ما خرج عبد من ذل