السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
309
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
أي يكثر القتل والأسر ويبالغ فيهما حتى تذل له العصاة دون قتال وتطأطئ رءوسها إليه الكماة دون جدال ، وتكسر شوكة المناوئين له ، وتستسلم المجرمون لهيبته ، ثم يقبل الفداء ، ولهذا عاتب اللّه تعالى رسوله وأصحابه على قبولهم الفداء لأول أمرهم وبداية نصرهم في هذه الآية . ثم طفق يؤنب فعلهم بقوله « تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا » الفاني الزائل البالي « وَاللَّهُ يُرِيدُ » لكم شرف « الْآخِرَةَ » الدائم الباقي ويريد رفع شأنكم بإعزاز الإسلام والإغلاظ على الكفرة « وَاللَّهُ عَزِيزٌ » بالغ العزة والعظمة لو شاء لغلبهم دونكم بتسليط جند من جنوده عليهم « حَكِيمٌ ( 68 ) » بالغ الحكمة في تسلطكم على نفيرهم الكثير مع قلتكم عددا وعددا لأمر يريده ، وإلا لسلطكم على العير الذي كله دنيا ، وأغناكم به عن الفداء وغيره وصرفكم عن النفير الذي فيه الدنيا والآخرة . فاعلموا أيها المؤمنون « لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ » بأنه لا يعذب أحدا باجتهاده في الحق « لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » ( 68 ) لا يقاوم ولا يطاق ، لأن أخذ الفداء قبل أن تعظم الهيبة في قلوب الأعداء وقبل أن تفشو القسوة عند سائر الناس لا يليق الإقدام عليه . ومن هنا قالوا : المجتهد إذا أصاب له أجران ، وإن أخطأ له أجر واحد . ولهذا لم يؤاخذ اللّه رسوله وأصحابه الذين أشاروا عليه بأخذ الفدية لخلوص نيتهم ولرعايتهم الأصلح باجتهادهم ، إذ رأوا بالفدية صد حاجة المجاهدين واستبقاء المفديين أملا بإسلامهم . قال محمد بن إسحاق لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر بدرا إلا أحب الفدية إلا عمر بن الخطاب ، فإنه أشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقتل الأسرى وسعد بن معاذ فإنه قال يا رسول اللّه كان الإثخان في القتل أحبّ إلي من استبقاء الرجال ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا عمر وسعد بن معاذ . وأخرج مسلم في افراده من حديث عمر بن الخطاب قال ابن عباس لما أسروا الأسارى ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأبي بكر ما ترون في هؤلاء الأسرى ؟ فقال أبو بكر يا رسول اللّه هم بنو العشيرة أي إن تأخذ منهم فدية يكون لنا قوة على الكفار ، فعسى اللّه أن يهديهم للإسلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب ؟ قال قلت لا واللّه يا رسول اللّه ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن