السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
296
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
من قوة بقصد سرعة القضاء على خصمه ، حتى إذا التحم الفريقان داهمهم بقوته الأخرى كلها فيستأصلهم عن آخرهم ، لأنهم يرعبون من الكثرة التي طرأت عليهم غير حاسبين لها حسابها ، وإنما قلنا غير المدافع لأن القائد المدافع يجب عليه أن يستعين بكل ما لديه من قوة دفعة واحدة كي يستطيع صد المهاجم ، وإلا إذا قدم ثلة ثلة فإن العدو يفنيهم أولا بأول ، ويستهين بقوتهم القليلة ويطمع بالاستيلاء عليهم ، فيكون الغلب له ، والقتل والسبي والأسر بالمدافعين « وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » ( 45 ) فيحكم فيها بما يريد وفق ما هو في أزله . قال تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً » كافرة لا عهد لها معكم ولا ذمة « فَاثْبُتُوا » لها ووطنوا أنفسكم على الصبر على الحرب والصدق عند اللقاء ، ولا تتصوروا الفرار أو تتخيّلوه أبدا ، لأنه متى وقع في قلوبكم جبنتم وكبر عدوكم في أعينكم وألقى الرعب في قلوبكم ، فتهزمون ، فيستضعفكم عدوكم ويعلو عليكم فتسلبون وتقتلون ، فقووا قلوبكم واثبتوا على الصبر واستعينوا باللّه ربكم ، لا تتكلوا على كثرة أو قلة : من استعان بغير اللّه في طلب * فإن ناصره عجز وخذلان « وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً » أثناء هجومكم عليهم بأن تقولوا اللّه أكبر اللّه أكبر منهم وأعظم من كل شيء وكل شيء دونه حقير ضعيف ، فكبروه كثيرا « لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » ( 46 ) فتفوزون بالنصر على عدوكم والظفر فيهم . واعلم أن هذه الآية ليست بناسخة للآية 16 المارة كما قاله بعض المفسرين ، لأنها لا تقدح بالثبات بالحرب ، لأن التحرف والتحيّز منه ، وإنما كان المراد بالذكر هنا هو التكبير واللّه أعلم لما فيه من خذلان العدو ، فينبغي الإكثار منه عند المهاجمة والدعاء بالنصر وتخطر وعد اللّه بالظفر في القلب لأنه أدعى للثبات ، ولأن ذكر اللّه في أشد الأحوال موجب للإجابة إذ لا يكون فيها إلا عن نيّة صادقة واعتماد تام « وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ » لأنها من واجبات النصر أيضا . وتباعدوا عن معصية اللّه ورسوله لأنكم في حالة أشد احتياجا إلى رحمته من غيرها ، وهذان العنصران طاعة اللّه وذكره من أقوى الأسباب الداعية للنصر والثبات وخذلان العدو . فليتكم أيها المسلمون ترجعون إلى ما يأمركم به ربكم فتعملون به وتنتهون عما