السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
17
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
قطعه ، ويعرض عمن آذاه ، ويعطي من حرمه ، ويمدح من يذمه ، ويدعو لمن شتمه ، ويعفو عمن تعدى عليه أو على ماله أو ولده أو أهله ، اتباعا لكلام اللّه وأحاديث رسوله ، ولا يتأنى في ذلك ، ففي التأني تفوت الفرص ، وهو محمود في غير هذا وأمثاله مثل تزويج البكر وإقراء الضيف ودفن الميت وغيره ، كان سيدنا عيسى عليه السلام إذا مرّ بأناس يشتمونه يدعو لهم فقال له أصحابه في ذلك ، فقال كل ينفق مما عنده . وعليه المثل المشهور : وكل إناء بالذي فيه ينضح . وكان من تعاليمه عليه السلام : من ضربك على خدّك الأيمن فأعطه الأيسر ، ومن أخذ ثوبك فأعطه رداءك ، وكان يأمر بمحبة الأعداء والعفو عن الاعتداء ، وكان أزهد الناس في الدنيا عاش ثلاثا وثلاثين سنة في الأرض ، ورفع إلى السماء ولم يختص بمحل يأوي إليه حتى آواه اللّه برفعه إليه « فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » 34 مخلص صادق في محبتك ولوع في مودتك ، لأن اللّه تعالى يقلب عداوته صداقة محضة بأن يجعله أدنى لك من قريبك ، قال : إن العداوة تستحيل مودة * بتدارك الهفوات بالحسنات « وَما يُلَقَّاها » أي تلك الخصال الحميدة « إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا » على أنفسهم وتحملوا المكاره وتجرعوا الشدائد وكظموا الغيظ وتركوا الانتقام ، فصارت طبيعتهم الصبر وشأنهم العفو وديدنهم التحمل « وَما يُلَقَّاها » الأمور المذكورة آنفا ويقوم بها « إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » 35 أي موفق للخير ميسّر للهدى مسوق المرشد ذو نصيب كبير من كمال النفس ، وحظ عظيم من طهارة القلب ، وحصة جليلة من مكارم الأخلاق . مطلب في النزغ وسجود التلاوة وعهد اللّه في حفظ القرآن : قال تعالى « وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ » أيها الإنسان الكامل « مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ » فتحس بما ينخسه في قلبك ويوسوس فيه بصدرك من ترغيبك لفعل ما لا ينبغي فعله وصرفك عن القيام بتلك الخصال النفيسة وحثك للانتقام ، فاحذر أن تطيعه ، وإن حاك في نفسك شيء من اجراء المقابلة « فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ » منه والجأ إليه