السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

18

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

ليحفظك من خدعه وغشه « إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ » لمن يستغيث به فيجيبه وهو « الْعَلِيمُ » 36 بصدق ركونك إليه فيحفظك من شر نزغاته ، ويحول دون التفاتك إليه ، وقدمنا ما يتعلق بالنزغ في الآية 100 من سورة يوسف وفي الآية 12 من سورة يونس المارتين ، وفيهما ما يرشدك لمراجعته من الآيات الباحثة عن هذا . اعلم أن مناسبة هذه الآية لما قبلها هو دفع ما يتوهم إن فعل ذلك بمقابل إساءة الغير قد يكون ذلا أو خوفا أو عارا من الناس ، وإن حصول هذه الوساوس من الشيطان الذي لا يريد إلا الشر للإنسان ، كيف وقد حذّرنا اللّه منه بقوله عزّ قوله ( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً ) الآية 60 من سورة النساء في ج 3 ، بأن تجنحوا بكليتكم إلى المساوى والمكاره وتعرضوا عن العفو ومكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ، فعلى العاقل أن ينتبه لذلك ، لأن تلك الأعمال الحسنة ما هي إلا من علو النفس وزكاة القلب وكمال الإيمان ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، قال تعالى « وَمِنْ آياتِهِ » الدالة على توحيده وعظيم قدرته وبالغ حكمته « اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ » المسخّرات بأمره لمنافع الخلق وما في الكون كله يخضعون لعظمته ويسجدون كل بحسبه انقيادا لجلاله ، فإذا علمتم هذه تفعل هذا وهي دونكم في العقل والفضل ، فيا أيها العقلاء « لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ » لأنها ليست بأهل لذلك ولأنها من جملة مخلوقاته الكائنين في قبضته « وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ » لمنافعكم فهو وحده المستحق للسجود « إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » 37 تخصونه بعبادتكم وتطلبون ثوابها « فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا » عن حصر السجود للّه وعمدوا إلى غيره ، فاترك يا أكمل الرسل هؤلاء الذين اختاروا المخلوقين على الخالق « فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ » من الملائكة الكرام يسجدون له كما يسجد المؤمنون أمثالك و « يُسَبِّحُونَ » له « بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ » 38 من عبادته ويملون منها ولا يتكاسلون عنها وهنا موضع السجود على الوجه الأكمل لا عند قوله ( تَعْبُدُونَ ) كما قاله بعض القراء ، بل عند تمام هذه الآية الأخيرة لأن السجود يكون عند تمام المعنى المراد به فتكون السجدة آية واحدة فقط ، كما في الانشقاق والنجم والسجدة والفرقان