السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

76

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

عمره متسع للإيمان المقبول ، فيكون عمل جبريل تكميل لما سبق في حكم اللّه عليه وتنفيذ لما أمره به وقدره وقضاه على فرعون ، وهو سعي في مرضاة اللّه ، وما قيل إن في منعه من التوبة كفرا لأنه رضي ببقائه على الكفر والرضاء بالكفر كفر لا وجه له لما قدمنا من الإضلال والهدى بمشيئة اللّه تعالى ، وجبريل إنما يتصرف بأمر اللّه وقد فعل ما أمر به والرضاء بالأمر غير الرضاء بالمأمور فأي كفر يكون هذا ؟ على أن الرضاء بالكفر إنما يكون كفرا بحقنا لأننا مأمورين بإزالته بحسب الإمكان فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفرا بحقنا مخالفتنا ما أمرنا به ، وإن من ليس بمأمور كأمرنا ، ولا مكلفا تكليفنا ، بل يفعل ما يأمره سيده ربه كالملائكة ، فإنه إذا نفذ ما أمره به ربه لم يكن راضيا بالكفر ولا يكون كفرا بحقه ، وما قيل كيف يليق بجلال اللّه أن يأمر جبريل بمنع فرعون من الإيمان فقول سخيف لأن اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل ، فإذا علم هذا ويقول كيف فهو سخيف ، وإذا لم يعلم فهو جاهل جهلا مركبا ، هذا وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لي جبريل عليه السلام ما أبغضت شيئا من خلق اللّه تعالى مثل ما أبغضت إبليس يوم أمر بالسجود فأبى أن يسجد ، وما أبغضت شيئا أشد بغضا من فرعون فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الإخلاص فينجو ، فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت اللّه تعالى عليه أشد غضبا مني فأمر ميكائيل فأتاه فقال ( آلْآنَ ) إلخ ، قال تعالى « وَلَقَدْ بَوَّأْنا » وطنّا وأنزلنا « بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ » منزلا محمودا صالحا مرضيا وصفه بالصدق ، لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق فتقول رجل صدق وقدم صدق ، راجع الآية الثانية من هذه السورة ، وذلك أن الشيء إذا كان كاملا لا بد وأن يصدق الظن به ، وهذا المكان هو مصر والشام والقدس والأردن ، وهي بلاد الخصب والبركة ، ومن أحسن بقاع الأرض وأخيرها نتاجا ، فالكامل فيها لا يضاهيه كامل في غيرها ، ولهذا كانت مهبط الأنبياء ومهاجرهم ومدافنهم فيها ، وناهيك به شرف « وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ » اللذائذ الحلال من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن ومركوب « فَمَا اخْتَلَفُوا »