السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
51
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
ومعناه أن الحرام رزق مثل الحلال ، لأن الرزق ما يسوقه اللّه تعالى إلى الحيوان وينتفع به فعلا حراما كان أو حلالا ، سواء في ذلك رزق الإنسان والدواب ، مأكولا وغير مأكول ، ولا يقبح نسبته إلى اللّه تعالى كما تقوله المعتزلة ، لأن اللّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد في ملكه ، فكل ما يقع من حلال أو حرام بتقديره كسائر أنواع الخير والشر ، إلا أن الحسن برضاه والقبيح بقضاه ، وعقاب مقترف الحرام لسوء مباشرة أسبابه فيلزم على القائل إن الحرام ليس برزق أن من انتفع بالحرام طول عمره لم يرزقه اللّه وهو خلاف الواقع ومباين لقوله تعالى : ( وَما مِنْ دَابَّةٍ . . . إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ) الآية 6 من سورة هود الآتية ، وأهل الاعتزال لهم مخالفات كثيرة مع أهل السنة والجماعة منها هذه ، ومنها رؤية اللّه تعالى ، ومنها أن ما يفعله الإنسان من فاحشة لا دخل لخلق اللّه وإرادته فيها ، حتى قيل إن أبا إسحاق الأسفراييني كان ذات يوم عند الصاحب بن عباد ، فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني ، فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء ، فردّ عليه الأستاذ أبو إسحاق بقوله : سبحان من لا يقع في ملكه إلّا ما يشاء . وإنهم يقصدون بذلك إكبار اللّه تعالى وتعظيمه عن أن يكون فاعلا لغير الحسن . وإن أهل السنة والجماعة يمجدونه ويبجلونه فيقولون لا يقع في ملكه من خير أو شر إلا بإرادته وقضائه وقدره ، وطريقهم هذا لعمري هو للصواب ، لأنا نتحاشى أن نقول بوقوع شيء دون إرادته ، إلا أن الخير برضاه والشرّ بقضاء ، وفي البيت المذكور آنفا من أنواع البديع التسجيع بين مقالي وفعلي ، والجناس المطرف وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول ، وبين الحل والسحت المطابقة وهي الجمع بين متضادّين ، ومعنى الحلال ما نص اللّه أو رسوله ، أو أجمع المؤمنون على إباحة تناوله ، أو قضى القياس الجلي إباحته بعينه أو جنسه بأن لم يتبين أنه حرام ، والحرام ما نص اللّه تعالى أو رسوله صلى اللّه عليه وسلم أو أجمع المسلمون على امتناع تناوله بعينه أو جنسه ، أو اقتضى القياس الجلي ذلك ، أو ورد فيه حدّ أو تعزير أو وعيد شديد مئول سواء كان تحريمه لمفسدة أو مضرّة خفيّة كالزنى فإن فيه فساد الغراس وتضييع الأنساب وقتل الولد معنّى لعدم وجود من يربيه ، ومذكّى