السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
323
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
دحية الكلبي مرارا وبصورة اعرابي غير معروف وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة في الحديث المشهور « وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ 9 » بأن نجعل الملك بصورة البشر فنوهم عليهم ونشبّه لهم فنشكل الملك بالبشر حتى يختلط عليهم الأمر فلا يعرفوه أبشر هو أم ملك ، فيظنونه بشرا ويقولوا مقالتهم هذه بأنهم لا يرضون برسالة البشر ، وتعود المسألة بحالها دورا وتسلسلا ، وإذ ذاك أيضا يقولون ما هو إلا بشر مثلكم فكيف تطيعونه ، هذا وإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم في الحقيقة بشر ولكنه ليس مثلهم ، لأن اللّه تعالى فضله بوحيه وشرفه برسالته ، وأعطاه ميزة على جميع خلقه وخصّه بأشياء لم يطلع عليها غيره ، لهذا فإنه صار بحقيقة سامية وصفة كريمة لا يقدره إلا الذي أرسله ، وللّه در القائل : محمد بشر وليس كالبشر * محمد جوهر والناس كالحجر وقال الأبوصيري : وكيف يدرك في الدنيا حقيقته * قوم نيام تسلوا عنه بالحلم فمبلغ العلم فيه أنه بشر * وأنه خير خلق اللّه كلهم دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ثم شرع يسليه ربه بذكر ما وقع لإخوانه الرسل قبله مع أممهم فقال جل قوله « وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ » كما استهزأ بك قومك « فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ » العذاب الذي لا مرد له ، وحاق بمعنى حل ونزل وتفيد معنى الإحاطة ولا تكاد تستعمل إلا بالبشر وقيل في المعنى : فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم * وحاق بهم من بأس ضربة حائق وهذه الإحاقة جزاء « ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 10 » فاهلكوا جميعا بسبب إيذائهم أنبياءهم ، وفيه تحذير لكفار مكة بأنهم إذا لم يقلعوا عما هم عليه من الإيذاء لحضرة الرسول فإن اللّه يسلط عليهم عذابا يهلكهم به كما فعل بغيرهم « قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا » ببصركم وتأملوا ببصيرتكم على تأويل النظر بالاعتبار ، وقد يؤول السير أيضا بالاعتبار وبالشيء على الأقدام ، أي اعتبروا وانظروا « كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 11 » أمثالكم إذ أورثهم كفرهم