السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

265

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

هو أخبرهم بها كما هي عند أهل الكتاب الذين سألوهم عنها وقد قصها بأوضح من ذلك ، فلم تزدهم إلا عتوا ونفورا ، قال تعالى « وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ » بينة وعبرة ظاهرة دالة على الإله الواحد وصفاته مما هو موجود « فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » لا يتفكر بها هؤلاء الكفرة ولا يعتبرون بمبدعها « يَمُرُّونَ عَلَيْها » بأسفارهم ، لأن آثار الأمم الماضية وأطلالهم فيها أي الأرض ظاهرة للعيان مشاهدة ، وقد بلغهم بالتناقل عن كيفية إهلاك أهلها وهم لا يتعظون بها ، أما آيات السماء فهي ملازمة لهم يشاهدونها أيضا كل ليلة ويرون اختلاف الليل والنهار ، وسير الكواكب فيها ، والانتظام العظيم الذي أبدعه الخالق الذي لا ينخرم قيد شعرة على ممر العصور وكرّها ، ومع ذلك فلا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على صانعها ، لأن اللّه تعالى طمس على قلوبهم لما فيها من الخبث وأعمى أبصارهم تبعا لبصائرهم ، لذلك يقول تعالى قوله « وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ 105 » عن ذلك كله وإعراضهم هذا ليس بأعجب من إعراضهم عنك يا حبيبي ، فاصبر عليهم ، ولا تجزع من أفعالهم « وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ » بأنه هو الذي خلق هذين الفلكين العظمين وما فيها من أنس وجن ووحش وحوت وطير وديدان ، وألهم كلا ما ينفعه ويضره ، وقدر أرزاقهم لكل بما يناسبه بحكمة عظيمة ، ومع هذا فإن كل من كلف بالإيمان به منهم لا يؤمنون « إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ 106 » به غيره من الأوثان ، لأنهم يعلمون أن اللّه تعالى الخالق الرازق ويستغيثون به إذا دهمهم أمر ، ومع ذلك يعبدون غيره . قال ابن عباس وغيره إن أهل مكة يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك ، إلا شريكا وهو لك ، تملكه وما ملك ! فنزلت هذه الآية ، ومن هنا كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا سمع أحدهم يقول لبيك لا شريك لك يقول له قط قط يكفيك ذلك ولا تزد إلا شريكا هو لك إلخ ، قيل إن كفار العرب مطلقا ، وقيل هم الذين قالوا إن الملائكة بنات اللّه ، والكل جائز ، فكما يجوز نزول آية لأسباب كثيرة يجوز أيضا انطباق أسباب كثيرة على سبب نزول واحد . قال تعالى مهددا لهم « أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ » عقوبة عظيمة مسجّاة محلّلة لا يعلمون ما فيها تشملهم وتغشاهم داهية « مِنْ عَذابِ اللَّهِ »