السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

262

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

في العرب وغيرهم ممن خالطهم ، بارك اللّه فيهم ، وأدام الكرام وأسبل عليهم ستره ونشر عليهم خيره ، ودرّ عليهم من بركاته ووفقهم لما يحبه ويرضاه . وهنا بحث آخر وهو أنه عليه السلام طلب الوفاة قال قتادة لم يسأل نبي من الأنبياء الوفاة غير يوسف عليه السلام ، وأنه توفى بعد هذا التمني بسبعة أيام ، وذلك لأنه بعد أن تم له ملك مضر وحواليها وبلغ كل ما تمناه البشر الكامل لا سيما بعد جمع شمله مع أبيه وأهله ، وهو يعلم أن مصير الدنيا بما فيها إلى الفناء لا محالة ، ولو عمر ما عمر تاقت نفسه الطاهرة إلى الملك الدائم بجوار ربه الكريم ، ولا يبعد بالرجل الكامل أن يتمنى ذلك رغبة بالنعيم الذي لا يزول ، ولا يمنع من هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلم لا يتمنى أحدكم الموت لأمر نزل به ، وفي رواية لا تمنوا الموت فإن هول المطلع عظيم وان من سعادة المرء أن يطول عمره ويحسن عمله ، وعليه فإن الموت عند وجود الضرر ونزول البلاء مكروه ، والصبر عليه أولى ، لأنه عليه السلام لم يتمنّه إبان شدته عندما كان في الجبّ أو السجن ، بل تمنّاه بعد ما تم له كل شيء تتوق النفس إليه ، وفيه معنى آخر وهو محبة لقاء اللّه تعالى ، فقد روى الشيخان عن عائشة رضي اللّه عنها وعن أبيها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه . وقد تمناه إلياس عليه السلام كما سيأتي في قصته في الآية 123 من الصافات الآتية ، وروى البخاري في صحيحه حديث عدم تمني الموت ، وهو تمناه رضي اللّه عنه ، وذلك أن أهل بلدته اختلفوا فيما بينهم حينما رجع إلى بلده بعد غيابه عنها بسبب طلب العلم ، فكان منهم من يريد دخوله ، ومنهم من لا يريده ، ولما رأى خلافهم يؤدي إلى المقاتلة فيما بينهم ، ويسبب موت بعضهم ، تمنى الموت ، فتوفاه اللّه حالا خشية حصول الفتنة ، والإفساد بين أهل بلدته ، وهذا لا بأس به أيضا ، لهذه الغاية ، أما تمنيه للفاقة والفقر وما ضاهاها من البلاء فلا يجوز ، إذ عليه أن يلجأ إلى اللّه وينقي محارمه ونواهيه ، ويسأله الفرج ، قال تعالى ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) ولو تأمل هذه الآية 4 من سورة الطلاق الذين ينتحرون والعياذ باللّه لضيق ذات يدهم أو لأمر آخر داهمهم أو لمرض مزمن ألم بهم لما انتحروا وعجلوا بأنفسهم إلى النار ،