السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
191
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
لم يؤثر فيها لما داخل قلبها من حبه ، فأدركته وأقبلت عليه وحرّضته وحذّرته ، فلم يفعل وأكد لها إعراضه ، ووعظها بما أوتيه من فصاحة في اللفظ وبلاغة في المعنى وشدة في الخطاب ، وهي عن ذلك بمعزل ، فرمت نفسها إليه وعكفت بكلها عليه وهذا مغزى قوله تعالى « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ » عزمت عزما شديدا عليه إلّا أن يفعل وقربت نفسها منه ، وهو يدافعها ولم ينجع بها الوعظ ولا غيره ، إذ لم يبق عندها المزجر مسمع ولا للتحذير من سوء العاقبة مطمع ، وهنا يحسن الوقف ثم الابتداء بقوله تعالى « وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » وهو النبوة الجليلة ، فلولاها ولولا حصول العصمة بها شأن كل نبي لهمّ بها وقاربها ، مثل الهم والقربان اللّه الذي فعلتهما هي ، ولكن عهد إليه بالنبوة حال دون ذلك . وقال السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنسوب إلى محمد عبده : أرادت قتله حين امتنع من إجابة طلبها وهو أراد قتلها ليتخلص مما دعته إليه ، ولكن القتل أمر عظيم حال دونه مقام النبوة التي تتباعد عن كل مخالفة لما نهى اللّه . وهو رأي جيد إلا أنه لم يقل به أحد من المفسرين ، مع أن الهم قد يأتي بمعنى القتل . مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام : هذا وكان الهم منه هم الطباع مع الامتناع لا كهمها هي الذي هو هم السباع المقصود منه إجراء الفعل ، ولو كان كذلك وحاشاه من ذلك لما مدحه اللّه عليه بآخر هذه الآية بقوله ( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) وقيل إنه قصدها بخاطره قصدا غير مختار ، وهو من دواعي القلب ولا صنع للعبد فيما يخطر في قلبه ، ولا مؤاخذة عليه بل يثاب عليه ويكتب له به حسنات كثيرة ، ومن سماء ذنبا فهو بالنسبة لمقامه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وإلا فالهم الحقيقي منتف في حقه عليه السلام بنص قوله تعالى ( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) وفيه كفاية ، ويفهم مما تقدم أن هم النفس لا يؤاخذ عليه البشر مطلقا كما بيناه في الآية 84 من القصص في ج 1 ، وله صلة في الآية 254 من البقرة في ج 3 ، وقال إذا وطنت النفس على الهم فهو سيئة وإلا فلا ، والقول الحق إن مطلق الهم لم يقع منه ، ولم يجل بخاطره ، ولم تحدثه