السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
189
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
على ما جرينا عليه كما عليه أكثر المفسرين ، والمراد بالعلم الفقه بالدين لأنه عليه السلام كان يرجع إليه جل أهل مصر في أمورهم ، حتى إن العزيز صار يحيل من يأتي إليه ليتحاكم مع خصمه إلى يوسف لما رأى من حدة عقله وإصابة رأيه ، لهذا فإن ما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما إن المراد بالحكم هنا النبوة وبالعلم الشريعة وجيه أما القول برسالته فلا ، لأنه أرسل بالسجن ، وكذلك القول بأنه أعطي شريعة خاصة أو أنزل عليه كتاب ، وهذا يقال إذا كان هناك نص صريح يستند إليه ، وليس فليس ، « وَكَذلِكَ » مثل هذا الجزاء الحسن « نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 22 » في هذه الدنيا الصابرين على النوائب أمثال يوسف عليه السلام ، وفي الآية إعلام بأنه كان محسنا في أعماله متقنا مسالك التقوى والورع في عنفوان شبابه ، ومن هنا قال الحسن من أحسن عبادة اللّه تعالى في شبيبته آتاه اللّه الحكمة في اكتهاله ، قال تعالى « وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها » خادعته ودعته لنفسها وطلبت منه أن يواقعها ، والمراودة مفاعلة من راد يرود ، إذا جاء وذهب « عَنْ نَفْسِهِ » الطاهرة الزكية وجيء بعن بدل من دلالة على أن السيدة زليخا زوجة العزيز نازعته في ذلك لما هو عليه من حسن الأدب والصورة ، بأن صارت تطلب منه الفعل وهو يطلب الترك ، كما تقول جاذبته عن كذا ، لأن عن ، تدل على البعد ، فكأنها تجذبه لنفسها جذبا بالغا وهو يتباعد عنها تباعدا مقصودا . وهذا إعلام بكمال نزاهته وإظهار عفته ، لأن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لحسنها وقربه منها مثبت لذلك ، وأن استعصاءه عليها مع كونه تحت يدها يؤذن بأنه في أعلى معارج العفّة ويعلن أنه بأسنى درجات النزاهة ، كيف لا وقد شرفه اللّه بالنبوة وزاده عليها الحكم بين الناس وتعبير الرؤيا ؟ ولما رأت عدم رغبته بما طلبته ناشئ عن أمر قلبي كرهه في تنفيذ طلبها غضبت عليه ، وجرته لداخل الدار « وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ » عليه ، واعلم أن تضعيف الفعل يدل على التكثير ، أي أنه ليس بابا واحدا بل أبواب كثيرة ، قالوا إنها سبعة ، واحد داخل الآخر والتفتت إليه « وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ » تعالى أقبل إلي ، فقد هيئت لك ، وهي لغة هوازن إذ ذاك ، أي هلم أفعل ما آمرك به ، وفيها معنى الحث على الفعل ، وقيل إن هيت بالعبرانية . بمعنى تعال فعرّبت