السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
111
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
لا بما ذكروه من الأمور الدنيوية وشرف الصنعة ، وما هذا الجواب منهم إلا لفرط جهلهم وتوغلهم في الدنيا وملاذها وانهماكهم في شهواتهم ، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم « بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ 27 » في هذه الدعوى أنت وأتباعك ، وإن تصديقهم لك عبارة عن مواطأة تمهيد للحصول على الرئاسة علينا « قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » فيما بشرتكم به وأنذرتكم منه واضحة شاهدة على صدقي « وَآتانِي » الذي أرسلني إليكم « رَحْمَةً » هديا ومعرفة ونبوة ورسالة « مِنْ عِنْدِهِ » وهو إله الكل « فَعُمِّيَتْ » ألبست وأخفيت « عَلَيْكُمْ » فلم تهدكم ولم تهتدوا إليها ، لأن الحجة كما تكون بصيرة ومبصرة تكون عماء وعمها ، وإن الأعمى والأعمه كما أنه لا يهتدي لا يقدر أن يهدي غيره ، لذلك لا نقدر على إلزامكم بها « أَ نُلْزِمُكُمُوها » قسرا وجبرا « وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ 28 » نافرون عنها ، كلا لا نستطيع على ذلك إذ لا إكراه في قبول الدين بل يجب الإقدام عليه والإقبال إليه طوعا برغبته ومحبته « وَيا قَوْمِ » تدبروا ما أقوله لكم وانظروا عاقبته وتلقوه بحسن نية ، واعلموا أني « لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا » لتظنوا بي طمعا ولا رئاسة لتشتبهوا فيّ من أجلها أو تشكّوا أن إنذاري لكم لأمور دنيوية كلا « إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ » الذي أرسلني ، وأن ما أبذله إليكم من النصح وأسديه لكم من الإرشاد لمجرد هدايتكم لطريق اللّه وحمايتكم من عذابه المترتب على إصراركم على الكفر « وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا » بي وصدقوني من أجل قولكم أنهم أراذل خسيسو الحرفة ، فقراء وضيعون بالحسب والنسب ، فهذا كله لا يمنعني من قبول إيمانهم ، ولا يجوز لي أن أتباعد عنهم « إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » بعد الموت ، فيشكونني إليه ، فيعاقبني على طردهم ، لأن وظيفتي قبول إيمان من يؤمن مهما كان ، وإن الإيمان سيجعل لهم شرفا وحسبا أعلى عند اللّه مما أنتم عليه « وَلكِنِّي أَراكُمْ » يا قوم بأقوالكم هذه وتطاولكم عليّ « قَوْماً تَجْهَلُونَ 29 » عظمة اللّه الذي عنده أكرم الناس أتقاهم لمحارمه وأخوفهم من عذابه ، لا الأكثرون أموالا والأكبرون جاها والأحسنون حرفة ، ولا العالون نسبا وحسبا ، فالمؤمن الحقير بأعينكم خير عند اللّه من العظيم الكافر ، فارتكزوا