السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

160

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

عما وقع منك تجاهه لقاء نصحي ، وأسأله أن يرزقك الإيمان به وحده وترك الشرك الذي أنت عليه « إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا » 47 بليغا بالبر والإكرام إذ أنقذني من ظلمة الكفر وهداني إلى نور الإيمان ، وجعلني نذيرا لعباده من عذابه ، وبشيرا لهم بثوابه وصيّرني بهم رؤوفا رحيما وعودني أن يجيب دعائي بجزيل كرمه وأفضاله علي ( يقال احتفى بالرجل إذا بالغ في إكرامه واعتنى به ) راجع الآيتين 95 و 187 من سورة الأعراف المارة ، ثم قال مجيبا لزجر أبيه وتحذيره من البقاء معه « وَأَعْتَزِلُكُمْ » على جهة التعظيم لأن المخاطب واحد ، وفيه إشارة إلى أنه لم يزل محافظا على أدبه معه مراعيا حقه وان ما صدر منه عليه لم يؤثر في قلبه الطاهر ، وهكذا الأنبياء العارفون لا يمنعهم من القيام بالإرشاد تعدي الناس عليهم « وَ » أعتزل أيضا « ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » لأنها أوثان لا تضر ولا تنفع « وَأَدْعُوا رَبِّي » وحده لأن يوفقني إلى مهاجر أجد فيه من يسمع نصحي ويجيب دعوتي ويؤمن بربي « عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي » خلقه إلى عبادته « شَقِيًّا » 48 خائبا ضائعا مخذولا ، بل موفقا واجدا أهلا لعبادته ، وفيه تعريض بأنهم يدعون غير اللّه وأنهم يشقون بذلك . واعلم أن الدعاء هنا بمعنى العبادة بدليل الآية بعدها لأنها كالمفسّرة لها ، ويجوز أن يكون على ظاهره ، لأن الدعاء من العبادة ، والعبادة مشتملة على الدعاء ، وفي تصدير الكلام بما ذكر نهاية في إظهار التواضع ومراعاة لحسن الأدب ، وتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل من اللّه عزّ وجل لا بطريق الوجوب ، وأن العبرة بالخاتمة وهي من الأمور الغيبية المختصة بعالم الغيب ، ثم هاجر عليه السلام إلى الشام فإلى بيت المقدس ، قال تعالى « فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » بعد أن سمع من أبيه ما سمع وأيس من إيمانه وقومه وخاف على نفسه من القتل « وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا » 49 وهذا من ألطاف اللّه بأنبيائه وعنايته بهم وعطفه على خلّص عباده وعطائه لهم ، إذ أنه عليه السلام هاجر إلى ربه طريدا فوفقه من هاجر إليه إلى زوجة صالحة ورزقه أولادا وجعلهم أنبياء مثله ، وأنعم عليهم بما