السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
144
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
الثلاث المهمة ، أي أنه لم ينله الشيطان يوم ولادته ، وإنه يحميه من فتاني القبر إذا مات ، ومن الفزع الأكبر والعذاب حين ينشر من قبره ، وهذه المواطن الثلاث أوحش ما يلاقيه الإنسان ، يوم يولد يرى نفسه خارجا مكرها من مقره فيسقط باكيا ، ويوم الموت يرى من الأشباح والآلام ما ترتعد له الفرائص وترتج لهوله القلوب ، ويوم البعث يرى مشهدا لا يوصف ما فيه من الشدة والكرب ، راجع تفسير الآية الأولى من سورة الحج في ج 3 ، وهذه البشارة الواردة في القرآن العظيم خصّت به وبالسيد عيسى عليهما السلام ، ولا أعظم منها بشارة « وَاذْكُرْ » يا محمد لقومك وغيرهم قصة مريم بعد قصة يحيى العجيبتين « فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ » بنت عمران التي قصتها أعجب من قصة ابن أختها يحيى « إِذِ انْتَبَذَتْ » اعتزلت وتنحت ، وأصل النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به ، أي أنها لم تبال بنفسها حيث انفردت وتباعدت « مِنْ أَهْلِها » ومن الناس أجمع « مَكاناً شَرْقِيًّا » 16 من دار أهلها وقريتها لتغتسل وتتخلى للعبادة ، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض ، ويؤيد هذا القيل معنى قوله تعالى « فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً » ساترا لها لئلا يراها أحد حين اغتسالها على القول بأن ابتعادها لهذه الغاية ، أو حائطا أو جبلا على القول بأن اعتزالها كان لمحض العبادة ، ولكن لفظ الاتخاذ يؤيد الأول ويؤكده قوله تعالى « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا » جبريل عليه السلام ، وإنما سمي روحا لأن الدين يوحى به ، لأنه واسطة الوحي وتبليغه للرسل ، والإضافة للتشريف ، أو لأنه محبوب اللّه ومقربه وأمين وحيه ، كما تقول لحبيبك أنت روحي لفرط محبتك له ، وقرئ روحنا بفتح الراء ، وإنما سمي به لأنه سبب الروح للعبادة ، ولأنه من جملة المقرّبين الموعودين بالروح في قوله تعالى : ( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) الآية 40 من سورة الواقعة الآتية ، وقرئ روحنّا بتشديد النون اسم ملك ، وليست بشيء ، ولا وجه لمن قال إن المراد بروحنا عيسى عليه السلام محتجا بقوله تعالى ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) الآية 170 من سورة النساء في ج 3 ، لأنه لم يكن بعد فكيف يرسله ، وينافيه قوله تعالى « فَتَمَثَّلَ لَها » ذلك الملك