السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

145

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

المسمى بالروح فكيف يتصور أنه عيسى ولم يخلق بعد ؟ وما قيل إن ضمير تمثل يعود إلى ملك غير مذكور يأباه سياق النظم الكريم ، فكان عليه السلام حينما تمثل لها « بَشَراً سَوِيًّا » 17 كامل الخلق لئلا تنفر منه ولتستأنس بكلامه ، لأنه لو جاءها بصورته الحقيقة لما استطاعت النظر إليه لما أعطاه اللّه من بداعة الخلق والهيبة والصفة العجيبة - راجع تفسير الآية 21 من سورة التكوير المارة - وما قيل إنه تمثل لها بصورة البشر لتهيج شهوتها قيل خاطئ تتنزه عنه السيدة مريم ويكذبه قولها حين رأته أقبل عليها وهو « قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا » 18 تخاف اللّه فتباعد عني ولا تقربني ، فهذا شاهد عدل على أنه لم يخطر ببالها شائبة ميل ما البتة ، وقولها هذا غاية في كمال عفتها ونزاهتها عليها السلام ، مع أنه إذ ذاك كان غير محذور اختلاط النساء بالرجال ومكالمتهم فلا مانع ولا شبهة فيه ، ولم يحرم النظر على الأجنبية إلا زمن عيسى عليه السلام ، كما جاء في الأصحاح 5 من إنجيل متى ، وسنبينه في تفسير الآية 29 من سورة النور في ج 3 إن شاء اللّه . أما الحجاب فلا ذكر له قبل عهد المصطفى محمد صلى اللّه عليه وسلم ديانة وإن كان يستعمله أكابر الناس قبلا كما سنبينه في تفسير الآية 58 من سورة الأحزاب في ج 3 أيضا إن شاء اللّه بصورة كافية شافية . وما قيل إن ( تقيا ) اسم رجل شقي معروف عندهم في ذلك الزمن أو رجل صالح كيوسف النجار فغير صحيح ، وهو من مخترعات القصاص وأخبار الأخباريين وأكاذيبهم ، لأن الأول لا يجرؤ على الوصول لبنات الأنبياء والأعاظم كمريم عليها السلام ، والثاني مشهور بالعفة يمنعه دينه من الوصول إليها وغيرها . فأجابها جبريل عليه السلام « قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ » ليس ممن يتوقع منه الشرّ الذي توهمينه حتى تستجيري بربك مني لأني رسول الذي استجرت به واستعذت أمرني أن آتيك « لِأَهَبَ لَكِ » بإذنه تعالى الذي أرسلني إليك ، إذ أمرني أن أنفخ في جيبك ليكون هذا النفخ سببا في حصول الولد الذي سيكون « غُلاماً زَكِيًّا » 19 طاهرا نقيا فطنا . وأسند ضمير أهب لنفسه ، لأن اللّه أرسله بذلك ، وفعل الرسول ينسب إلى المرسل « قالَتْ » متعجبة مما سمعته « أَنَّى